تضرب شظايا الحرب الإقليمية سوق الأجهزة الكهربائية في مصر بقوة، رغم أن المعارك تدور خارج الحدود. خلال أيام قليلة، قفزت الأسعار بين 15% و25%، واختفت عروض رمضان وعيد الأم التي كانت تمثل متنفسًا موسميًا للمستهلكين، وحلت محلها عبارة واحدة تكشف حجم الارتباك: “السعر عند التوريد”.
في هذه السوق، لم تعد الثلاجة والغسالة والتلفزيون مجرد سلع منزلية، بل تحولت إلى مؤشرات مباشرة على اختلال أوسع يضغط على الجنيه، ويربك الاستيراد، ويدفع الشركات والتجار إلى التحوط، فيما يجد المستهلك نفسه أمام موجة غلاء جديدة لا يملك أدوات مقاومتها.
الزيادة الأخيرة لم تأت من فراغ. المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، انعكست سريعًا على سلاسل الإمداد وأسعار النفط التي تجاوزت 90 دولارًا للبرميل. ومع هذا التصعيد، فقد الجنيه المصري نحو 2% من قيمته، وقفز الدولار فوق 52 جنيهًا بعد فترة من الاستقرار النسبي قرب 47 جنيهًا. هذا التحرك السريع في سوق الصرف أعاد تسعير الأجهزة الكهربائية فورًا، لأن القطاع يعتمد بدرجات متفاوتة على خامات ومكونات ومدخلات إنتاج مستوردة، أو على الأقل مسعرة بالدولار.
ويحذر محللون اقتصاديون من أن استمرار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، مع تزايد الضغط على موارد النقد الأجنبي، سيدفع التضخم إلى مستويات أعلى في مصر. هذا يعني أن ما حدث في سوق الأجهزة قد لا يكون سوى بداية موجة أوسع. فالقطاع يعيش بالفعل على حافة أزمة مركبة: تكلفة استيراد أعلى، تمويل أصعب، وقوة شرائية تتآكل بسرعة، في وقت لم تعد فيه الشركات قادرة على تثبيت الأسعار أو تقديم التزامات طويلة الأجل للتجار والمستهلكين.
التحوط يضرب السوق ويصنع فوضى الأسعار
أمام هذا الاضطراب، لجأت كبريات شركات الأجهزة الكهربائية إلى سياسة تحوط حادة. اكتفت بعض الشركات بتوريد 20% فقط من طلبات التجار، انتظارًا لما قد تحمله الأيام التالية من ارتفاعات جديدة. هذا القرار لم يكن تفصيلًا إداريًا. هو إشارة واضحة إلى أن المنتجين أنفسهم لا يثقون في استقرار السوق، ولا يريدون ضخ مخزون قد يضطرون لتعويضه لاحقًا بتكلفة أعلى. النتيجة كانت شللًا فعليًا في جزء كبير من حركة البيع.
صاحب معرض أجهزة كهربائية في منطقة المنشية بالإسكندرية، رفض ذكر اسمه، وصف الوضع بدقة حين قال إن الشركات ترفض بيع المخزون، وإن المواطن يواجه أسعارًا تتغير بين الصباح والمساء. شهادته تلخص حالة سوق فقدت أبسط قواعد اليقين. فالحرب، وإن بدت بعيدة جغرافيًا، وصلت إلى “موتور الثلاجة وشاشة التلفزيون”، كما قال، عبر الدولار والنفط والشحن والتسعير اليومي المرتبك.
وفي السياق نفسه، قال رئيس شعبة الأجهزة المنزلية بالغرفة التجارية بالإسكندرية، نبيل حمد، إن كثيرًا من التجار رفعوا الأسعار تحسبًا لخسائر محتملة بعد صعود الدولار أمام الجنيه. وأوضح أن عددًا كبيرًا من مدخلات الإنتاج مستورد، وأن استمرار التصعيد الإقليمي يضغط على الخامات الأساسية وتكاليف التصنيع، خاصة بعد زيادة أسعار الوقود. هذا التفسير يكشف أن جزءًا من الغلاء الحالي ليس ناتجًا فقط عن تكلفة وقعت بالفعل، بل عن خوف من تكلفة قادمة، وهو ما يضاعف سرعة انتقال الأزمة إلى المستهلك النهائي.
الصناعة المحلية مكشوفة أمام الصدمات
لكن الأزمة لا تقف عند حدود الحرب أو الدولار فقط. هناك خلل أعمق في بنية الصناعة المحلية نفسها. أستاذ اقتصاديات السوق بجامعة الإسكندرية، علاء حسب الله، يرى أن الاقتصاد المصري وقع في “كماشة” حقيقية. من جهة، ارتفعت تكاليف الاستيراد بسبب الحرب واضطراب الملاحة. ومن جهة أخرى، اصطدمت محاولات توطين الصناعة بتناقضات إجرائية ورسوم رفعت العبء على المنتج المحلي بدل أن تحميه في لحظة حرجة.
ويشرح حسب الله أن قرار فرض رسوم إغراق على واردات الصاج بنسبة تصل إلى 12%، والذي كان هدفه حماية المنتج المحلي، تحول مع قفزة أسعار الخام العالمية إلى عبء إضافي على الصناعة. وبحسب تقديره، تسبب القرار في رفع تكلفة الإنتاج بنسبة 7% فورًا، بالتزامن مع التوترات الإقليمية. هنا لم تعد المسألة مرتبطة فقط بما يحدث خارج مصر، بل أيضًا بكيفية إدارة السوق محليًا في توقيت بالغ الحساسية.
ويضيف أستاذ الاقتصاد أن التوقيت كان قاتلًا بالفعل. ففي اللحظة التي كان فيها الدولار يكسر حاجز 52 جنيهًا، كانت الضرائب ورسوم تنمية الموارد ترفع الأعباء الإجمالية على المصنع المصري إلى أكثر من 20%. هذا الخليط بين الصدمة الخارجية والرسوم المحلية لم يترك أمام المصنعين خيارًا حقيقيًا سوى تمرير الكلفة إلى المستهلك. وبهذا المعنى، فإن الأجهزة الكهربائية خرجت تدريجيًا من نطاق السلع الممكنة للطبقة المتوسطة، ودخلت دائرة السلع المؤجلة أو الممولة بالدين.
المستهلك يدفع الثمن كاملًا
الأثر الأوضح يظهر عند المستهلك. في أحد فروع البنوك الكبرى بالإسكندرية، يقف شاب يدعى عصام بعد أن أنهى إجراءات قرض لتجهيز منزل. يقول إن القرض الذي وافق عليه البنك كان بالكاد يكفي لشراء الأساسيات: ثلاجة وغسالة وبوتاغاز. لكن بعد تحرك الدولار والزيادة الأخيرة في الأسعار، اكتشف أن المبلغ فقد أكثر من 15% من قيمته الشرائية قبل أن يصرفه. هكذا يجد نفسه بين خيارين قاسيين: الاستدانة من جديد أو حذف بعض الأجهزة من قائمة الضروريات.
الصورة نفسها تتكرر عند أم إيمان، وهي ربة منزل انتظرت عامين حتى يأتي دورها في “الجمعية” لتجهيز ابنتها. تقول إن المبلغ الذي كان يكفي الشهر الماضي لشراء “طقم كامل” لم يعد الآن يشتري سوى جزء محدود، بعدما قفز سعر الثلاجة وحدها 4 آلاف جنيه في أسبوع واحد. هذه الشهادة لا تعكس فقط غلاء سلعة. هي تكشف كيف يلتهم التضخم مدخرات الأسر الفقيرة والمتوسطة، ويفسد خططًا استمرت شهورًا وربما سنوات.
ويقول رئيس جمعية حماية المستهلك، جمال زقزوق، إن السوق دخل فعليًا مرحلة “ركود تضخمي”. المعروض قليل. والطلب موجود نظريًا. لكن القدرة المالية للمستهلك غائبة. ويضيف أن النقاش داخل المحال لم يعد يدور حول المواصفات الفنية أو الجودة، بل حول إمكان السداد، وهل سيتغير السعر في اليوم التالي أم لا. بهذا المعنى، لم تعد المشكلة في اقتناء جهاز أفضل، بل في القدرة أصلًا على شراء أي جهاز.
المحصلة أن سوق الأجهزة الكهربائية في مصر لا يواجه مجرد موجة غلاء عابرة. هو يواجه اختبارًا قاسيًا يكشف هشاشة الصناعة، واضطراب السياسة السعرية، وعجز المستهلك عن ملاحقة سوق تتحرك أسرع من دخله. الحرب أشعلت الشرارة. لكن الداخل المصري حولها إلى حريق يصل مباشرة إلى بيت كل أسرة تفكر في ثلاجة جديدة أو غسالة أو شاشة. هنا لا تبدو الأزمة جيوسياسية فقط. تبدو معيشية خالصة، يدفع فاتورتها المواطن كاملًا، بينما يكتفي السوق بتعليق لافتة واحدة تختصر المشهد كله: السعر عند التوريد.

