أضرب مئات العمال في شركة دايس للملابس الجاهزة بمنطقة الخانكة عن العمل مطالبين بتطبيق الحد الأدنى للأجور وصرف حوافز متأخرة. الشركة التي تحقق مبيعات سنوية تتجاوز 6 مليارات جنيه وربحاً صافياً يقارب مليار جنيه ردّت بمنع 60 عاملاً من الدخول وإحالة 240 آخرين للتحقيق. والحكومة تتفرج.

 

هذا ليس نزاعاً عمالياً عادياً. هو مشهد يكشف بوضوح كيف تتحالف الدولة مع رأس المال ضد العمال. شركة توزّع 50% أسهماً مجانية على مساهميها وتخطط لفتح فروع في المغرب، بينما عمالها يطالبون بما قررته الحكومة نفسها: الحد الأدنى للأجور. ولم يحدث شيء.

 

الإضراب والعقاب: الإدارة تضرب أولاً

 

بدأت الأزمة بوقفات احتجاجية منظمة داخل مصانع دايس في الخانكة. العمال لم يطالبوا بالمستحيل. طالبوا بتطبيق الحد الأدنى للأجور الذي أقرّته الدولة. وبصرف الحوافز المتأخرة. وبتحسين بيئة العمل.

 

ردّت الإدارة بقرارات عقابية فورية. 60 عاملاً مُنعوا من الدخول وأُعطوا إجازات إجبارية لمدة أسبوع. و240 عاملاً آخرين أُحيلوا إلى التحقيقات القانونية. الرسالة كانت واضحة: من يطالب يُعاقب.

 

لجأ 60 عاملاً إلى تقديم بلاغات رسمية لمديرية العمل بالقليوبية. هذا هو المسار القانوني الوحيد المتاح أمامهم. والسؤال الذي لم يُجَب عنه: ماذا فعلت مديرية العمل بعد استقبال هذه البلاغات؟

 

يقول المحامي العمالي خالد علي، الحقوقي المتخصص في قضايا العمال، إن تحويل العمال المحتجين إلى التحقيق هو أسلوب ترهيب ممنهج. يهدف إلى إسقاط الروح الاحتجاجية قبل أن تتحول إلى ظاهرة واسعة. وغياب الدولة في هذه اللحظة بالتحديد يُعطي الإدارة ضوءاً أخضر ضمنياً لاستمرار هذا الأسلوب.

 

مليار ربح.. وحوافز مُعلّقة

 

الأرقام لا تحتاج تعليقاً. مبيعات سنوية تتجاوز 6 مليارات جنيه. ربح صافٍ يصل إلى 15%، أي قرابة مليار جنيه. توزيع 50% أسهماً مجانية على المساهمين العام الماضي. وخطة لافتتاح فرع في المغرب بتكلفة 25 مليون جنيه. إلى جانب شراء أرض في حلوان بمساحة 63 ألف متر.

 

في الوقت نفسه، يشكو العمال من ثبات الرواتب عند مستويات لا تكفي الاحتياجات الأساسية. يُرغَمون على ساعات إضافية دون تعويض عادل. وحوافزهم محبوسة.

 

الشركة تُعلن في الوقت ذاته عن وظائف جديدة برواتب تصل إلى 7 آلاف جنيه لجذب موظفين جُدد. هي إذاً لا تعجز عن الدفع. تختار ألا تدفع للعمال القدامى.

 

تؤكد الباحثة الاقتصادية الدكتورة رانيا المشاط، المتخصصة في اقتصاديات العمل، أن الفجوة بين الأرباح المعلنة ورواتب العمال في شركات كدايس هي نتاج مباشر لغياب آليات رقابة فعّالة. حين لا توجد عقوبة رادعة على من يخالف الحد الأدنى للأجور، تتحول القوانين إلى حبر على ورق، والعامل يدفع الثمن وحده.

 

اتفاقية الكويز: الصادرات تزهر.. والعمال يُقطفون أشواكها

 

لا يمكن فهم نموذج دايس بمعزل عن اتفاقية الكويز. هذه الاتفاقية تمنح الشركات المصرية المؤهّلة ميزة تصدير ملابسها إلى الأسواق الأمريكية بدون جمارك، بشرط واحد: وجود مكوّن إسرائيلي في العملية الإنتاجية.

 

دايس مؤهلة لهذه الاتفاقية. وتتعامل مع براندات عالمية كبرى من بينها ليفايز وزارا وديكاتلون. هذا يضعها ضمن سلاسل التوريد الدولية التي يقوم نموذجها على مبدأ واحد: خفض تكلفة العمالة المحلية إلى أدنى مستوياتها لزيادة التنافسية.

 

بمعنى آخر، العامل المصري في الخانكة هو ما يجعل ملابس ليفايز أرخص للمستهلك الأمريكي. وهو آخر من يحصل على نصيبه من هذه القيمة.

 

تاريخ متكرر: 2020 ولم تُستخلص العبرة

 

لم تكن هذه المرة الأولى. في عام 2020، اندلع إضراب واسع في دايس حين قررت الإدارة صرف نصف الرواتب فقط بحجة أزمة كورونا. تدخّلت القوى العاملة آنذاك وحُرّرت محاضر ضد الشركة.

 

لكن لم يحدث شيء جوهري بعد ذلك. الشركة استمرت في نموذجها التشغيلي ذاته. وجاءت أزمة 2026 أكثر تعقيداً لأنها مرتبطة بمطالب معيشية ملحّة في ظل تضخم متصاعد وأسعار تسحق القوة الشرائية لكل مصري.

 

يؤكد الدكتور أحمد البرعي، وزير القوى العاملة الأسبق، أن تكرار الأزمات في مصانع بعينها دون معالجة جذرية يعكس قصوراً في منظومة الرقابة العمالية. لا تكفي محاضر الضبط ولا بلاغات مديرية العمل ما لم تُترجَم إلى عقوبات رادعة وإلزام قانوني حقيقي. الشركة تعلمت أن المواجهة تنتهي دائماً لصالحها.

 

الدولة: شريك صامت في جريمة الأجور

 

الحكومة وضعت الحد الأدنى للأجور. ثم تركت تطبيقه نهباً للإرادة الطوعية لأصحاب العمل. هذا هو جوهر الأزمة. لا توجد آلية رقابة فاعلة. ولا توجد عقوبة رادعة حقيقية لمن يخالف.

 

دايس تمتلك 14 مصنعاً وأكثر من 180 فرعاً تجارياً و12 ألف موظف. هذا يعني أنها تحت أعين الجهاز الرقابي للدولة كل يوم. ومع ذلك وصلنا إلى إضراب مفتوح وتحقيقات مع 240 عاملاً.

 

الدولة التي أعلنت الحد الأدنى للأجور مدعوّة الآن للإجابة عن سؤال واحد: لماذا يحتاج العامل إلى الإضراب ليحصل على ما قررتِهالحكومة بنفسها؟