بدأت المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تأخذ شكلاً أوسع من الضربات الجوية التقليدية، بعد انتقالها إلى ملف الاختراقات الاستخباراتية داخل المدن الإيرانية نفسها، مع إعلان طهران اعتقال عشرات المتهمين بإرسال معلومات عسكرية وأمنية إلى إسرائيل.
وتكشف هذه التطورات أن الحرب لم تعد محصورة في المنشآت النووية والصاروخية، بل امتدت إلى الشوارع ونقاط التفتيش وأجهزة الأمن، بما يرفع كلفة المواجهة على الدولة والمجتمع معاً.
تؤكد الوقائع المعلنة خلال الأيام الأخيرة أن طهران تواجه مسارين متوازيين في آن واحد: هجمات مباشرة من الخارج، واختراقات تقول السلطات الإيرانية إنها نشطت داخل عدة محافظات لنقل إحداثيات مواقع حساسة إلى إسرائيل. وفي المقابل، تقول إسرائيل إن عمليتها التي بدأت صباح السبت 28 فبراير جاءت بشكل “استباقي” لإزالة تهديدات مباشرة، بينما أطلقت إيران لاحقاً صواريخ على إسرائيل وعلى قواعد أمريكية في المنطقة، في تصعيد مفتوح لا تبدو له نهاية قريبة.
اعتقالات تكشف عمق الاختراق
أعلنت السلطات في إقليم أذربيجان الغربية، شمال غرب إيران، اعتقال 20 شخصاً بتهمة محاولة التعاون مع إسرائيل، بعد اتهامهم بإرسال معلومات عن مواقع أصول عسكرية وأمنية إيرانية إلى الجانب الإسرائيلي. ونقلت التقارير عن البيان الصادر عن مكتب المدعي العام في الإقليم أن التوقيفات جاءت بعد عمليات رصد استخباراتي ومتابعة سيبرانية نفذتها أجهزة مرتبطة بالحرس الثوري وقوات الباسيج.
وقال حسين مجيدي، المدعي العام في أذربيجان الغربية، إن الموقوفين في أورمية جرى ضبطهم على خلفية نقل معلومات تخص منشآت عسكرية وشرطية وأمنية إلى إسرائيل، وهو تصريح يعكس حجم القلق الإيراني من تسرب البيانات الميدانية خلال المعارك الجارية. أهمية هذا التصريح لا تتوقف عند عدد المعتقلين، بل تمتد إلى ما يكشفه عن اعتبار طهران أن ساحتها الداخلية باتت جزءاً مباشراً من ميدان الحرب، لا مجرد جبهة خلفية بعيدة عن القصف.
ولم تكن هذه الواقعة منفصلة. ففي اليوم السابق، أفادت تقارير منسوبة إلى وزارة الاستخبارات الإيرانية باعتقال 23 شخصاً ضمن 3 خلايا في محافظات مازندران وخراسان وخوزستان، بعد اتهامهم بإرسال مواقع منشآت عسكرية واقتصادية إلى “العدو الأمريكي والإسرائيلي”. كما تحدثت التقارير نفسها عن اعتقال 3 عناصر في خوزستان بعد تنفيذ هجمات على قوات الأمن العام وأماكن عامة، ما يعني أن الملف لم يعد مقتصراً على جمع المعلومات، بل يشمل أيضاً عمليات ميدانية داخلية أكثر عنفاً.
مرحلة جديدة من الهجوم
بالتوازي مع هذه الاعتقالات، نقلت رويترز عن مصدر مطلع على الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية أن إسرائيل بدأت “مرحلة جديدة” من هجومها على إيران، تستهدف نقاط التفتيش الأمنية استناداً إلى معلومات قدمها مخبرون على الأرض. وأضاف المصدر أن المعلومات القادمة من داخل طهران ساعدت في تحديد مواقع 3 نقاط تفتيش تعرضت لضربات خلال 3 أيام، في مؤشر واضح على تصاعد الاعتماد على العنصر البشري داخل العمق الإيراني.
هذا التحول يمنح الصراع بُعداً أكثر خطورة. فاستهداف نقاط التفتيش التابعة للحرس الثوري أو الباسيج يعني أن إسرائيل لم تعد تركز فقط على البنية العسكرية الثقيلة، بل تسعى أيضاً إلى إضعاف أدوات الضبط الداخلي التي تستخدمها الدولة الإيرانية في الشارع. وفي هذا السياق، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن العملية التي انطلقت في 28 فبراير كانت “استباقية” وهدفت إلى إزالة تهديدات مباشرة تواجه إسرائيل، في صياغة تعكس تمسك تل أبيب بمنطق الضربة الوقائية حتى مع اتساع الحرب.
وأضافت الرواية الإسرائيلية أن تقديراتها تحدثت عن احتمال التعرض لهجوم صاروخي وطائرات مسيرة، ما دفع السلطات إلى فرض حالة طوارئ خاصة في كل أنحاء إسرائيل، مع دعوة السكان إلى الالتزام بتعليمات الجبهة الداخلية والبقاء قرب المناطق المحمية. كما دوّت صفارات الإنذار في أنحاء البلاد، وأُغلق المجال الجوي، وأُرسلت رسائل تحذيرية مباشرة إلى هواتف المواطنين، في مشهد يعكس أن إسرائيل نفسها كانت تتحرك على أساس توقع رد إيراني واسع منذ الساعات الأولى للهجوم.
طهران تحت القصف وحرب بلا سقف
بدأت الضربة المشتركة الأمريكية الإسرائيلية صباح السبت 28 فبراير، وفق ما أوردته رويترز، واستهدفت برامج إيران الصاروخية والنووية بعد تحذيرات أمريكية إسرائيلية متكررة من العودة إلى العمل العسكري إذا واصلت طهران تطوير قدراتها في هذين المسارين. وبحسب التغطية نفسها، ردت إيران لاحقاً بإطلاق صواريخ استهدفت إسرائيل وقواعد أمريكية في المنطقة، ما رسخ معادلة الضربات والردود السريعة بدل أي إطار احتواء سياسي قريب.
وفي الداخل الإيراني، أفادت تقارير يوم الهجوم بوقوع انفجارات في طهران، بينما وثقت رويترز لاحقاً اتساع القصف داخل العاصمة وتضرر مناطق مدنية وارتفاع منسوب الخوف بين السكان مع اضطراب الكهرباء والمياه والإنترنت. هذا السياق يفسر لماذا باتت السلطات الإيرانية تتعامل مع شبكات “المخبرين” باعتبارها خطراً موازياً للطائرات والصواريخ، لأن أي معلومة مسربة عن نقطة تفتيش أو منشأة قد تتحول في ساعات إلى غارة.
وتزيد تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما نقلت رويترز، الصورة تعقيداً، إذ قال إن أهداف الحرب تشمل تدمير القدرات العسكرية والنووية الإيرانية و“تهيئة الظروف” لإطاحة النظام، مع إقراره بأن هذا الاحتمال غير مضمون. هذا الكلام يوضح أن المعركة تجاوزت نطاق الضربة المحدودة أو الرسالة التكتيكية، واتجهت إلى حرب ضغط طويل على بنية الدولة الإيرانية من الخارج، وعلى تماسكها الأمني من الداخل.
في المحصلة، لا تبدو الاعتقالات الأخيرة مجرد خبر أمني داخلي، بل جزءاً من مشهد أوسع تتداخل فيه الحرب الجوية مع الاختراق البشري، والعمليات العسكرية مع جمع الإحداثيات، والردع الخارجي مع القلق من التسرب الداخلي. وبينما تواصل طهران إعلان ضبط خلايا جديدة، وتواصل إسرائيل توسيع بنك أهدافها داخل المدن الإيرانية، يصبح السؤال الأساسي هو ما إذا كانت هذه المواجهة تتجه إلى استنزاف طويل يضرب مؤسسات الأمن الإيرانية من الداخل بقدر ما يضرب منشآتها من الجو.

