يناقش نديم حوري، المدير التنفيذي لمبادرة الإصلاح العربي، مستقبل النظام الأمني في الشرق الأوسط في ظل التحولات الجارية في المنطقة. يرى الكاتب أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة إنهاك لنظام أمني قديم من دون ظهور بديل قابل للحياة، بعدما اعتمدت الدول العربية خلال السنوات الماضية على ترتيبات متفرقة للبقاء: بعضها اعتمد على الحماية الأمريكية، وبعضها اتجه إلى التطبيع مع إسرائيل، بينما حاولت دول أخرى الموازنة بين واشنطن وطهران أو بناء تحالفات مع قوى دولية أخرى.
ويشير تقرير نشرته عرب ريفورم إلى أن هذه الترتيبات المتنافسة لم تحقق استقرارًا حقيقيًا، بل أدت إلى منطقة أكثر عسكرة وتفككًا اقتصاديًا وأكثر عرضة لضغوط الدول والفاعلين غير الحكوميين. فقد بلغ الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط نحو 243 مليار دولار عام 2024، بزيادة كبيرة خلال عام واحد، في وقت بقيت فيه المنطقة ضعيفة التكامل اقتصاديًا وتعاني مستويات مرتفعة من النزوح والاضطرابات.
إخفاق النظام الإقليمي الحالي
يؤكد الكاتب أن النظام الإقليمي الذي تشكل خلال العقد الأخير اعتمد على ثلاثة أعمدة رئيسية. أولها نظام تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل يمنح تل أبيب تفوقًا استراتيجيًا في المنطقة، بينما تنظم الدبلوماسية الإقليمية حول استيعاب مصالحها. ظهرت هذه المقاربة بوضوح في اتفاقيات أبراهام التي رأت أن التطبيع والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي يمكن أن يحقق الاستقرار دون حل القضية الفلسطينية.
لكن هذا التصور لم يحقق السلام، بل شجع إسرائيل على فرض وقائع جديدة بالقوة العسكرية. فقد شهدت غزة حربًا مدمرة، وتسارعت سياسات الاستيطان والضم في الضفة الغربية، كما تعرض لبنان وسوريا لسلسلة من الضربات والانتهاكات العسكرية. وترافق ذلك مع رؤية اقتصادية إقليمية تربط الخليج بإسرائيل وأوروبا عبر ممرات تجارية تستفيد منها مراكز اقتصادية محددة، بينما تُترك مناطق أخرى مثل بلاد الشام خارج هذه الشبكات التنموية.
أما الركيزة الثانية فتمثلت في التنافس الإقليمي بين دول المنطقة نفسها، حيث اندلعت صراعات غير مباشرة بين محاور مختلفة بعد الربيع العربي، وظهرت انعكاسات ذلك في أزمات اليمن وليبيا والسودان.
الركيزة الثالثة تمثلت في توسع نفوذ إيران عبر جماعات مسلحة غير حكومية في عدة دول عربية، مثل حزب الله والحوثيين وفصائل عراقية مسلحة. وقد أتاح هذا النموذج لطهران توسيع نفوذها بتكلفة منخفضة نسبيًا، لكنه أضعف الدول التي تعمل داخلها هذه الجماعات وأدخلها في دوامات من عدم الاستقرار.
ملامح نظام أمني إقليمي جديد
يرى الكاتب أن المنطقة تحتاج إلى نظام أمني إقليمي جديد يقوم على الدفاع عن سيادة الدول ووحدة أراضيها وتعزيز التعاون الاقتصادي. ويمكن أن تشكل دول الخليج ومصر والأردن وسوريا ولبنان نواة هذا الإطار بالتعاون مع تركيا، نظرًا لدورها المتزايد في ملفات الأمن الإقليمي.
يقترح الكاتب أن يقوم هذا النظام على عدة ركائز. أولها موقف إقليمي واضح في مواجهة السياسات الإسرائيلية التوسعية، مع إعادة إحياء منطق مبادرة السلام العربية التي ربطت التطبيع مع إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
الركيزة الثانية تتعلق بإدارة العلاقة مع إيران. فالتحدي الإيراني يختلف عن التحدي الإسرائيلي، إذ يعتمد على أدوات غير تقليدية مثل الحروب بالوكالة والضغط عبر الميليشيات. لذلك يدعو الكاتب إلى السعي نحو اتفاق عدم اعتداء إقليمي مع طهران يقوم على مبدأ عدم التدخل وحماية البنية التحتية الحيوية مثل الطاقة والممرات البحرية.
أما الركيزة الثالثة فتركز على تعزيز قدرة دول المنطقة على التفاوض جماعيًا مع القوى الكبرى في عالم يتجه نحو تعددية الأقطاب. فالتنافس بين الولايات المتحدة والصين يمنح دول الشرق الأوسط مساحة للمناورة، لكن غياب التنسيق الإقليمي قد يضعف قدرتها على تحقيق مصالحها.
ويقترح الكاتب أيضًا إدماج بُعد اقتصادي وبيئي في أي نظام إقليمي جديد، يشمل مشاريع للربط الطاقي وإعادة إعمار مناطق النزاع وتعزيز التجارة بين دول المنطقة، إضافة إلى التعاون في قضايا المياه والأمن الغذائي والتكيف مع التغير المناخي.
الطريق نحو بناء الإطار الجديد
يدرك الكاتب أن بناء نظام إقليمي جديد لن يكون مهمة سهلة. فما زالت الشكوك المتبادلة بين عدد من القوى الإقليمية قائمة، كما تعاني بعض الدول من هشاشة سياسية ومؤسساتية تعيق قدرتها على التنسيق الاستراتيجي. مع ذلك، يشير إلى وجود مؤشرات على تحسن العلاقات بين بعض القوى الإقليمية، مثل التقارب التركي المصري والتعاون المتزايد بين تركيا والسعودية، إضافة إلى محاولات رأب الصدع داخل مجلس التعاون الخليجي منذ اتفاق العلا عام 2021.
ويقترح الكاتب اتباع مسار تدريجي لبناء هذا النظام، يبدأ بمنتديات إقليمية للتنسيق في مجالات الدفاع الجوي والأمن البحري وحماية البنية التحتية المدنية. ثم ينتقل إلى تنسيق السياسات في ملفات النزاعات الإقليمية، قبل الوصول إلى مرحلة بناء شراكات اقتصادية وإعمارية واسعة.
ويخلص المقال إلى أن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة مفصلية. فقد فشل النظام الأمني القديم في منع الحروب والأزمات المتكررة، ولم يعد الاعتماد على القوى الخارجية كافيًا لضمان الاستقرار. لذلك تحتاج دول المنطقة إلى صياغة رؤية مشتركة تعيد بناء التوازن الإقليمي وتعزز استقلال القرار السياسي، مع إصلاحات داخلية تمنح المجتمعات قدرًا أكبر من الشرعية والاستقرار.
https://www.arab-reform.net/publication/after-the-war-rethinking-regional-security-in-the-middle-east/

