عادل صبري
كاتب وصحفي مصري
للعام الثاني على التوالي تُظهر مؤشرات دولية لـ worldometer تراجعًا في معدّل الخصوبة لدى المصريين، لتصل إلى 2.41 طفل لكل ألف نسمة، خلال عام 2025. تعكس الأرقام المدعومة من الأمم المتحدة ووزارة الصحة المصرية انخفاضًا في معدّل النمو السكاني إلى ما بين 1.6- 1.4% سنويًا، بسبب تراجع الخصوبة وزيادة الوفيات والهجرة الصافية من البلاد، لتمثل أقل معدل نمو سكاني لم يحدث على مدى قرن ونيف، ما يعني تراجعًا رسميًا في تعداد السكان منذ تطبيق برامج تنظيم الأسرة، في ستينيات القرن الماضي.
اعتبرت الحكومة هذه الأرقام بمثابة نجاحٍ لبرامجها المدعومة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وآخرين لسنوات طويلة، استدعت احتفاء رئيسة المركز القومي للسكان عبلة الألفي بتلك المناسبة منذ أيام، مؤكّدةً أن وزارة الصحة ملتزمة بتحقيق معدل إنجاب كلّي عند حدود 2.1%، لكل سيدة بنهاية عام 2027، والذي سمّته بـ"عام التحدي"، لدفع المصريات إلى الابتعاد عن إنجاب المزيد من الأطفال. جاء احتفاء نائبة وزير الصحة في وقت تفاخرت فيه الحكومة، ومعها البنك المركزي، بزيادة تاريخية في تحويلات المصريين العاملين في الخارج، حيث سجّلت منذ يناير حتى أول ديسمبر 2025 نحو 37.5 مليار دولار، بزيادة 40% عن عام 2024، مع ارتفاع متوقّع ليصل إلى 45 مليار دولار عام 2026، لتصبح المصدر الأول للدخل الوطني من العملة الصعبة، في ظل تراجع مستمر للصادرات التي تمثل حاليًا المورد الأول للبلاد من العملة الصعبة، بنحو 40 مليار دولار، والمتوقّع انخفاضها، وفقًا لدراسات اقتصادية معمّقة بنسبة 22% بحلول عام 2030.
تعكس الأرقام تناقضات الحكومة في مواجهة تآكل القوة البشرية التي تصنع أزمةً صامتةً تهدّد الاقتصاد والأمن القومي برمّته. فالمجتمع يتحول ديموغرافيًا بطريقة متسارعة، بما يدفع إلى تغيير ملامح الدولة واقتصادها خلال العقدين المقبلين، فيما تبين المؤشرات الأخيرة أنّ مصر تتحرّك بسرعة من اقتصادٍ قائمٍ على وفرة القوة العاملة الشابة الرخيصة إلى مجتمع يتجه تدريجيًا نحو الشيخوخة وتباطؤ النمو السكاني، في وقت يعتمد فيه بشكل أساسي على تحويلات المصريين من أبناء الطبقة الوسطى والفقيرة، بوصفها الشريان الأول للنقد الأجنبي، بينما الحكومة عاجزة عن جلب الاستثمارات أو الارتقاء بالتصنيع وتكنولوجيا الإنتاج الحديث.
يروّج الخطاب الرسمي منذ سنوات لشعار "تنظيم الأسرة وخفض المواليد"، منفِّذًا برامج قاسية تحرم الأسر التي لديها أكثر من 4 أطفال من الدعم العيني، مع تحميل النساء كلفة هذه السياسات ماليًا ونفسيًا، في وقت لا تملك الدولة خططًا لإعداد العمالة لسوق العمل وتشغليها بالداخل أو الخارج، ويتراجع دورها في توفير الحد الأدنى الذي يضمنه الدستور للمواطن من الرعاية الصحية والتعليم الجيد، وتوفير ضمان اجتماعي يحمهيم من العوز، وسوق عمل قادر على استيعاب الفئات الأكبر سنًا، لأنها لا تعتقد بالاستثمار في رأس المال البشري، الذي هو عماد المجتمعات الراغبة في جعل سكانها القوة الرافعة للاقتصاد والابتكار ومواجهة التحديات الأمنية.
تشير بيانات جهاز الإحصاء الحكومي إلى تباطؤ في معدلات المواليد، خلال العامين الماضيين، مقابل ارتفاع متوسط العمر، ما يعني اتساع قاعدة كبار السن وارتفاع الأعباء المالية المتوقعة على الأسر والدولة في آن واحد، ومع دخول جيل الثمانينيات والتسعينيات إلى سن التقاعد خلال السنوات المقبلة، ستصبح الدولة أمام معادلة صعبة، إذ إن عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل أقل، مقابل تضخم كتلة المتقاعدين ومحدودي القدرة على الإنتاج، بما يفقد مصر الفائض الديموغرافي الذي تميّزت به لعقود، جعلت منه "البقرة الحلوب" التي تدر الدولارات، وتعتمد عليه في جذب المستثمرين الباحثين عن العمالة الرخيصة، ومن يدافعون عن الوطن ويعملون في مشروعات صناعية وإنتاجية مربحة للغاية تابعة للخدمة الوطنية مجانًا، في الوقت الذي ستتراجع في قاعدة دافعي الضرائب والقادرين على تمويل صناديق الرعاية الصحية والمعاشات. وبينما لم تتمكن الدولة من بناء اقتصاد إنتاجي عالى القيمة، أسوة بما حدث في دول سارت على هذا النهج بعنف لسنوات مثل الصين، والتي تراجعت عن تلك السياسات مؤخرا، بعد إدراكها خطورة تناقص أعدادها من نحو 1.4 مليار نسمة إلى نحو 500 مليون نسمة قبل نهاية القرن الحالي الذي تريد أن تصبح عند قمته القوة الكبرى عالميًا.
في الدول التي تنخفض فيها الخصوبة تدريجيًا، يتحوّل نقص السكان إلى ميزة تنافسية، عبر رفع الإنتاجية والأجور والاستثمار في التعليم المتقدّم والابتكار، كما يحدث في اليابان وألمانيا وسويسرا وإيطاليا، ولكن الحالة المصرية تسير بعكس الاتجاه، حيث يتباطأ تعداد السكان مع تأخّر مستوى التعليم وعدم القدرة على امتلاك أو شراء معدّات تكنولوجية تحل محل البشر، في وقت تتراجع فيه الصناعة والزراعة ذات القيمة المضافة من الناتج المحلي وتزداد الواردات من السلع والتكنولوجية المتقدمة سنويًا. يولد الاعتماد على الخارج هشاشة مالية هيكلية، تضيف مرارة إلى ما يلاقيه المصريون من تراجع بالوظائف في الخارج ومعدل الدخل بما ينعكس على مستوى ملايين الأسر المصرية وميزان المدفوعات، ومع استمرار الهجرة الخارجية من الشباب الباحثين عن وظيفة، فإن سوق العمل سيعاني من نقص حاد في العمالة.
على الضفة الأخرى من المشهد المروع، يمضي الكيان الإسرائيلي نحو النمو ديموغرافيًا في نسبة المواليد التي تفوق المعدلات المصرية منذ سنوات، مع استقباله المستعمرين من أنحاء العالم، بزعم التجمّع في الأرض المقدسة للصهاينة، إلى جانب امتلاكه اقتصادًا عالي التقنية يضاعف القيمة المضافة للعامل الواحد جعلته من أكثر الأفراد دخلًا على مستوى العالم. تدفع هذه المميزات العنصر البشري في الكيان الصهيوني إلى أن يصبح عنصرًا شديد الأهمية في ميزان القوى الاستراتيجية بين مصر وإسرائيل، بل وكل بلاد العرب التي تخفض عدد سكانها عبر نظام مخطط له منذ عقود من نفس الدول الداعمة للكيان الصهيوني ماليًا وعسكريًا، والتي تدفع إليه بمخزون بشري يمكنه من توسيع حروبه ضد دول المنطقة ونشر مستعمراته في الأراضي العربية المحتلة.
ستظلّ المفارقة صادمة بين ما يحدث مع المصريين من سياسات توجه المال إلى مشروعات تهتم بالحجر دون البشر، وما تقدمه إسرائيل من مميزات لزيادة السكان وتعليمهم وتأهيلهم لمزيد من الحروب الذكية القادمة ضد العرب. اللافت أنّ النقاش العام في مصر لا يزال أسير فكر نظام يعتبر "الزيادة السكانية عبئًا عليه، وليس نعمة"، توفر له السيولة بالعملة الصعبة التي تحرك شرايين الاقتصاد والأسواق بدون تعب، لأنه يريد جني الثمار من دون أن يدرك أهمية الاستثمار في رأس المال البشري، الذي يعدّ محور التنمية ودفع النمو، في بلد لم تحوله برامج تنظيم الأسرة العقيمة إلى دولة منتجة بل زاد اعتمادها على الداعمين لخفض المواليد، إذ أصبحت تستورد أكثر من 70% من احتياجاتها اليومية من الغذاء، وتستجدي القروض ليعيش شعبها بصعوبة أمام عدو يتربص بحدوده ومقدراته.

