أعلنت مصلحة الجمارك المصرية بالتنسيق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات انتهاء فترة الإعفاء الاستثنائي لأجهزة الهاتف المحمول الواردة من الخارج بصحبة راكب، على أن يبدأ تطبيق ذلك اعتبارا من منتصف نهار الأربعاء الحادي والعشرين من يناير. وفي الوقت نفسه، أكدت الجهات المعنية استمرار الإعفاء المؤقت لهواتف المصريين المقيمين في الخارج والسائحين لمدة تسعين يوما.

 

القرار يأتي ضمن منظومة “حوكمة” أجهزة المحمول الواردة من الخارج، وهي منظومة تقول الدولة إنها تستهدف تنظيم السوق وضبط الأجهزة غير المسجلة والحد من التهريب، لكن توقيت إنهاء الإعفاء الاستثنائي وطريقة الإعلان عنه يضعان المواطن أمام أسئلة عملية قاسية: كيف ستُحسب الرسوم؟ وما مصير من اشترى هاتفه حديثا؟ وهل سيؤدي ذلك إلى ارتفاع جديد في الأسعار، أم إلى مزيد من التعقيد والارتباك؟

 

ماذا تغيّر فعليا؟ نهاية “الاستثناء” وبقاء مهلة التسعين يوما لفئتين

 

جوهر الإعلان أن الإعفاء الذي كان يسمح بإدخال هاتف محمول واحد بصحبة الراكب دون رسوم بشكل استثنائي قد انتهى، بينما بقيت معاملة مختلفة لفئتين: المصريون المقيمون بالخارج والسائحون، حيث يستمر إعفاؤهم المؤقت لمدة تسعين يوما.

 

هذا التفريق قد يبدو منطقيا من زاوية أن السائح لا يُفترض أن يتحمل أعباء دائمة لوجود مؤقت، وأن المقيم بالخارج قد يحتاج لهاتفه الشخصي فور الوصول، لكن الإشكال أن بقية المسافرين العاديين يدخلون الآن منطقة رمادية: هل يُعامل الهاتف على أنه “سلعة” أم “متاع شخصي”؟ وكيف سيتم الفصل في الحالات الواقعية التي لا تشبه الجداول الرسمية، مثل طالب عائد للدراسة أو عامل يتردد بين بلدين أو أسرة تعود بهاتف هدية؟


كما أن بعض التغطيات ربطت إنهاء الاستثناء بما قيل إنه كان إجراء مؤقتا لحين توافر بدائل محلية غير خاضعة للجمارك، وهو تبرير يترك الباب مفتوحا لجدل أكبر: هل البدائل أصبحت متاحة فعلا للمستهلك بالسعر والجودة؟ أم أن “انتهاء المؤقت” جاء قبل اكتمال شروطه على الأرض؟

 

كيف سيدفع الناس الرسوم؟ تطبيق “تليفوني” ومسارات السداد.. ومخاوف الارتباك

 

وفق تغطيات اقتصادية، باتت الرسوم والضرائب المستحقة على الهواتف الواردة من الخارج تُسدد عبر تطبيق “تليفوني”، أو عبر البنوك والمحافظ الإلكترونية، مع الإشارة إلى مهلة سماح مرتبطة بتفعيل الجهاز تمتد لتسعين يوما، إضافة إلى حديث عن إتاحة التقسيط لاحقا.

 

وجود قنوات دفع رقمية قد يكون خطوة لتقليل الاحتكاك والفساد وتوحيد الإجراءات، لكن التجربة تقول إن أي منظومة رقمية جديدة تحتاج وضوحا شديدا في الإرشادات وخدمة عملاء سريعة وحلولا للحالات الاستثنائية. وإلا تحولت إلى طوابير افتراضية من الشكاوى، أو إلى سوق موازية للخدمات “غير الرسمية” التي تعرف كيف تلتف على النظام.

 

ومن زاوية المستهلك، الخوف الأكبر ليس من فكرة السداد وحدها، بل من احتمالات غامضة مثل تعطّل الخدمة على الهاتف أو تعثر التسجيل أو اختلاف التقييم من موظف لآخر. وعندما يتعلق الأمر بالهاتف المحمول، فنحن لا نتحدث عن رفاهية، بل عن أداة عمل وتعليم وتحويلات مالية وتواصل يومي؛ أي خطأ في التطبيق قد ينعكس فورا على حياة الناس.

 

الأثر على الأسعار والسوق: تنظيم مطلوب.. لكن من يدفع الثمن؟

 

لا يمكن فصل القرار عن سوق هاتف محمول يعاني أصلا من ضغط الأسعار وتقلبات العملة وتكاليف الاستيراد. إنهاء الإعفاء الاستثنائي قد يدفع الأسعار صعودا، لأن جزءا من المعروض كان يأتي عبر المسافرين بصورة طبيعية، كما أنه قد ينعش سوق الأجهزة المحلية أو المُجمعة محليا إذا توافرت فعلا بأسعار منافسة، لكن ذلك يبقى مشروطا بقدرة السوق على تقديم بديل واقعي لا مجرد شعار.

 

كذلك، هناك نقطة حساسة تتعلق بالعدالة: ما الرسالة التي تصل للمواطن حين يشعر أن تكلفة التنظيم تُحمّل على المستهلك النهائي وحده؟ إذا كانت الدولة تريد محاربة التهريب، فالمطلوب أن يظهر ذلك في مسارات واضحة لملاحقة شبكات التهريب الكبيرة، لا أن يتحول المسافر العادي إلى الحلقة الأسهل التي تُدفع للالتزام عبر الرسوم. وفي غياب شرح تفصيلي للرأي العام حول كيف ستنعكس المنظومة على انخفاض التهريب أو زيادة الحصيلة أو دعم التصنيع، يصبح القرار مجرد عبء جديد يُضاف إلى قائمة الأعباء.

 

خطوة تنظيمية تحتاج شفافية كاملة كي لا تتحول إلى عبء اجتماعي

 

إنهاء الإعفاء الاستثنائي لهواتف الركاب من الخارج مع الإبقاء على إعفاء مؤقت للمصريين بالخارج والسائحين هو قرار كبير في تفاصيل صغيرة، لأنه يمس ملايين الأيدي التي تحمل الهاتف كل يوم. الفكرة العامة في ضبط السوق وتقنين الأجهزة قد تكون مطلوبة، لكن نجاحها يتوقف على ثلاثة أمور: وضوح القواعد من دون مساحات رمادية، وعدالة في التطبيق لا تترك المواطن فريسة لاجتهادات متضاربة، وربط أي رسوم مفروضة بنتائج ملموسة يراها الناس في توفر الأجهزة واستقرار الأسعار وخفض الفوضى.

 

بدون ذلك، سيظل القرار يُقرأ باعتباره عبورا جديدا من جيب المواطن إلى خزينة لا تشرح بما يكفي أين تذهب العوائد وما الذي تحققه للناس، وستبقى المنظومة معرضة لأن تُنتج سوقا موازية أخرى بدل أن تنهي السوق الموازية القديمة.