أعلنت وزارة الإسكان أن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وافقت على مد مهلة استقبال طلبات استصدار تراخيص البناء للمسطحات البنائية الناتجة عن استكمال نسبة 75% من إجمالي مسطح دور السطح، وذلك حتى نهاية مايو 2026.

 

القرار يأتي في إطار ما تصفه الوزارة بمسار “تنظيمي” لتقنين أوضاع وتيسير إجراءات الترخيص داخل المدن الجديدة، لكنه يفتح في الوقت نفسه بابًا واسعًا للجدل حول فلسفة التمديد: هل هو خطوة لتصحيح أوضاع قائمة ورفع العبء عن أجهزة المدن؟ أم أنه رسالة سلبية تُشجع على التوسع غير المنضبط فوق الأسطح، وتكافئ من سبق وبنى ثم عاد يطلب الترخيص بعد الأمر الواقع؟

 

خلفية القرار: ماذا يعني “استكمال 75% من مسطح السطح” ولماذا التمديد؟

 

الحديث عن “مسطحات بنائية ناتجة عن استكمال نسبة 75% من إجمالي مسطح دور السطح” يشير عمليًا إلى حالات توسع عمراني على الأسطح داخل بعض التجمعات السكنية، بحيث يصبح السطح شبه طابق إضافي أو مساحة ممتدة قابلة للاستخدام. وقرار التمديد يعني منح مهلة إضافية لمن لديهم هذه الحالات لاستكمال ملفاتهم وتقديم طلبات الترخيص بدلًا من الوقوع في دائرة المخالفات والإجراءات العقابية.

 

من زاوية إدارية، يمكن فهم الدافع: حجم الطلبات قد يكون كبيرًا، وقد توجد تأخيرات في تجهيز المستندات، أو في مراجعات الأجهزة الفنية، أو في سداد الرسوم المطلوبة. التمديد يخفف الضغط ويعطي فرصة “لتسوية” أوضاع أكثر دون أن تتحول إلى نزاعات طويلة. لكن المشكلة أن أي تمديد متكرر، بلا شرح تفصيلي لسببه ولعدد الحالات المستهدفة، قد يُقرأ كأنه اعتراف ضمني بأن الدولة تتعامل مع المخالفة باعتبارها “مرحلة” ثم تأتي بعدها التسوية، لا باعتبارها استثناء يجب وقفه من البداية.

 

مكاسب محتملة: تقنين أوضاع وتحصيل مستحقات.. لكن على حساب مبدأ الانضباط

 

يمكن للقرار أن يحقق بعض المكاسب العملية. أولها إدخال مساحات قائمة بالفعل تحت مظلة الرقابة الهندسية، بما يعني — نظريًا — فحص السلامة الإنشائية والاشتراطات وتقليل المخاطر. ثانيها تحصيل الرسوم والمستحقات بدلًا من بقاء الملف خارج النظام. ثالثها تقليل الاحتكاك بين السكان وأجهزة المدن عبر مسار قانوني واضح بدلًا من قرارات إزالة أو نزاعات قضائية.

 

لكن هنا يظهر النقد الجوهري: هل تحولت الإدارة العمرانية إلى سياسة “التقنين بعد المخالفة”؟ لأن أي مالك أو مستثمر يراقب المشهد قد يستنتج أن المخاطرة بالبناء أولًا ثم انتظار قرار تقنين لاحقًا قد تكون “صفقة رابحة” مقارنة بالالتزام من البداية. وهذا يضرب مبدأ العدالة بين المواطنين: من التزم بالشروط وتحمل قيود الترخيص يشعر أنه يُعاقَب بالالتزام، بينما من تجاوز ثم عاد يستفيد من التمديدات.

 

كما أن ربط الترخيص بتحقق نسبة كبيرة من التوسع (مثل 75%) يثير سؤالًا: لماذا ننتظر اكتمال أغلب التعدي ثم نفتح باب الترخيص؟ المفترض في التنظيم السليم أن يُضبط التوسع قبل اكتماله، وأن تكون الرقابة مبكرة لا لاحقة.

 

آثار عمرانية واجتماعية: الأسطح ليست فراغًا بلا ثمن

 

التوسع فوق الأسطح ليس مجرد “زيادة مساحة” داخل شقة أو عمارة؛ له تأثير مباشر على الكثافة السكانية، والأحمال على المرافق، والتهوية والخصوصية، وحتى على حقوق الجيران. حين يتحول السطح إلى كتلة بنائية شبه كاملة، تتغير معادلة الاستهلاك: مياه وكهرباء وصرف ومواقف وأمن وحركة سكان. وإذا لم يترافق الترخيص مع تقييم واضح لقدرة البنية التحتية في المنطقة، فإن القرار قد ينقل المشكلة من مخالفة فردية إلى ضغط جماعي على الخدمات.

 

هناك أيضًا بعد يتعلق بشكل المدن الجديدة نفسها. هذه المدن صُممت في كثير من مناطقها على اشتراطات ارتفاعات وكثافات محددة، بهدف الحفاظ على جودة الحياة وتقليل الزحام. التساهل مع توسعات الأسطح قد يقوض هذه الفكرة تدريجيًا، ويخلق “تحايلًا” على الارتفاعات والاشتراطات دون إعلان ذلك صراحةً.

 

والسؤال الأكثر حساسية: من المستفيد الأكبر؟ هل هم المواطنون العاديون الذين اضطروا للتوسع بسبب ضيق المساحة؟ أم شرائح لديها القدرة على استغلال السطح كمشروع تأجير أو تقسيم، بما يضيف وحدات سكنية غير مخطط لها؟ غياب الشفافية في شرح طبيعة الحالات المستهدفة يترك المجال مفتوحًا للشكوك.


وأخيرًا تنظيم بلا رسائل خاطئة.. وإلا صار التمديد تشجيعًا للمخالفة

 

تمديد مهلة التراخيص حتى نهاية مايو 2026 قد يكون مفيدًا إذا كان هدفه الحقيقي هو ضبط أوضاع قائمة وفحصها هندسيًا وحماية السكان، لكن بشرط أن يكون ضمن سياسة واضحة لا تكرر “المكافأة بعد التجاوز”. المطلوب من وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات أن توضح للرأي العام: ما حجم الحالات؟ ما معايير القبول والرفض؟ كيف ستُضمن السلامة الإنشائية؟ وكيف ستُحمى قدرة المرافق من التدهور؟ والأهم: ما الذي سيمنع تكرار المخالفة بعد انتهاء المهلة؟

 

الرفض هنا ليس رفضًا للتنظيم، بل رفضٌ لسياسة تُربك الناس: إذا كانت القواعد قابلة للتأجيل المتكرر، فلن يبقى للقواعد وزن، وسيتحول العمران إلى سباق على من يفرض أمرًا واقعًا أسرع. المطلوب قرار يُغلق باب الالتباس: تقنين استثنائي مرة واحدة مع رقابة صارمة بعده، وعدالة واضحة بين الملتزم والمخالف، وإلا ستدفع المدن الجديدة ثمنًا عمرانيًا وخدميًا لا يُعالج بتمديد جديد.