لم يكن تصريح النائب ناجي الشهابي، عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب الجيل، مجرد تهنئة روتينية بعيد الشرطة، بل كان إعلانًا سياسيًا واضحًا لإلغاء المعنى الثوري لـ25 يناير من الذاكرة المصرية، وحصره في كونه مناسبة احتفالية لوزارة الداخلية فقط.
حين يقف نائب في قبة البرلمان ليقول عمليًا إن هذا اليوم لا يُعترف به إلا كـ«عيد للشرطة»، متجاهلًا ثورة قدّمت مئات الشهداء ضد ظلم واستبداد الداخلية ذاتها، فنحن أمام نموذج مكثف لطبقة سياسية لا ترى في الشعب إلا جمهورًا يُستدعى للتصفيق، ولا ترى في برلمانها إلا منصة لتجميل وجه السلطة الأمنية.
نائب يختزل 25 يناير في «عيد الوزارة» ويتجاهل ثورة الشعب
في الجلسة العامة، استغل الشهابي تهنئة رئيس مجلس الشيوخ للشعب المصري بمناسبة 25 يناير، ليؤكد أن هذا اليوم «لا يُعترف به إلا باعتباره عيدًا للشرطة المصرية فقط». هذه الجملة وحدها كافية لتنزع عن الرجل أي ادعاء بالانتماء إلى نبض الشارع أو احترام تاريخ المصريين القريب.
فـ25 يناير ليس حدثًا غامضًا ولا رواية متنازعًا حولها؛ إنه اليوم الذي خرج فيه ملايين المواطنين يهتفون «الشعب يريد إسقاط النظام»، وكانت وزارة الداخلية، التي يحتفل بها الشهابي اليوم، هي الخصم الأول في تلك المواجهة، بسجلات التعذيب والانتهاكات التي فجّرت الغضب الشعبي.
إصرار الشهابي على محو البعد الثوري لليوم وتحويله إلى عيد وحيد لوزارة الداخلية هو مشاركة واعية في عملية «إعادة كتابة التاريخ» على المقاس الرسمي. بدل أن يعترف بأن هذا اليوم بات يحمل وجهين: ملحمة الإسماعيلية 1952 من جهة، وثورة 2011 من جهة أخرى، يختار أن يدفن الثانية بالكامل، لأنها تذكّر بممكن سياسي آخر غير هذه السلطة التي يخدم تحت قبتها. هكذا يتحول عضو مجلس الشيوخ من ممثل للشعب إلى خطيب إضافي في سرادق السلطة.
ملحمة الإسماعيلية شماعة لتبييض حاضر أمني دموي
لا خلاف على قيمة ما حدث في الإسماعيلية عام 1952، ولا على بطولات رجال الشرطة الذين واجهوا الاحتلال. لكن الشهابي يستخدم تلك الملحمة كغطاء لتبرئة واقع أمني مختلف تمامًا: وزارة داخلية تورطت، خلال العقد الأخير، في انتهاكات موثقة محليًا ودوليًا؛ من القتل خارج القانون، إلى الإخفاء القسري، إلى التعذيب في السجون وأقسام الشرطة.
حين يتحدث الشهابي عن «قيم التضحية والبطولة والفداء» وكأنها ممتدة خطًا مستقيمًا من 1952 حتى اليوم، فهو يتغافل عن أن قطاعًا واسعًا من المصريين يتذكر الوزارة نفسها باعتبارها الطرف الذي واجهه في الميادين عام 2011، ويتذكر شهداء مثل خالد سعيد وسيد بلال ورفاقهم. بل إن كثيرًا ممن نزلوا يوم 25 يناير فعلوا ذلك تحديدًا احتجاجًا على بطش الشرطة. تجاهل هذه الحقيقة ليس جهلًا، بل اختيار سياسي متعمّد لتطبيع القمع، وإعادة تقديم جهاز الأمن بوصفه ضحية دائمة تحتاج إلى الاحتفال والتكريم، لا مساءلة ولا إصلاحًا.
اللافت أن الشهابي يُطنب في الحديث عن دور الشرطة في «مواجهة الإرهاب» و«توفير مناخ آمن للتنمية»، دون أن يقترب بكلمة واحدة من ملف الانتهاكات أو فكرة الرقابة على الأجهزة الأمنية. كأن الأمن في قاموسه طريق باتجاه واحد: أمن السلطة من الشعب، لا أمن الشعب من السلطة.
من تخوين الثورة إلى تسويق رواية «الاختطاف» و30 يونيو المنقذ
ذروة خطابه جاءت عندما تحدّث عن ارتباط 25 يناير بثورة «كادت أن تُختطف من جماعة ضالة»، قبل أن ينسب لـ30 يونيو فضل «استعادة الدولة والهوية الوطنية». هذه العبارة ليست تحليلًا سياسيًا بقدر ما هي ترديد حرفي للسردية الرسمية التي اختزلت ثورة شعبية واسعة في «مؤامرة إخوانية»، لتبرير الانقلاب على المسار الديمقراطي وإغراق البلد في موجة اعتقالات غير مسبوقة.
عندما يصف الشهابي قوى سياسية كاملة – مهما اختلفنا معها – بأنها «جماعة ضالة»، فهو يفتح الباب نفسه الذي حذّر منه النص الذي تلخّصه سابقًا: باب التكفير السياسي والأخلاقي، الذي يجعل إقصاء الخصوم وسجنهم واستباحة حقوقهم أمرًا طبيعيًا. من موقعه كعضو في مجلس الشيوخ، يشارك الرجل في ترسيخ ثقافة تعتبر أي معارضة حقيقية «اختطافًا للدولة»، وأي محاولة لاستعادة روح يناير «تهديدًا للهوية الوطنية».
بهذه اللغة، يتحول 30 يونيو من حدث سياسي متشابك إلى أسطورة خلاص تُستخدم لسد كل باب أمام مراجعة ما جرى بعدها من قمع وفشل اقتصادي وتضييق على المجتمع. ناجي الشهابي، في خطابه الأخير، لم يكتفِ بتجاهل ثورة 25 يناير، بل حاول أيضًا أن يضع ختمًا نهائيًا على ذاكرتها: لا ثورة، لا مطالب حرية وعدالة، بل مجرد «عيد شرطة» و«دولة استعيدت» و«هوية حُفظت».
في بلد ما زال يعاني من آثار سحق المجال العام، يصبح هذا النوع من الخطاب أخطر من مجرد رأي نائب؛ إنه جزء من ماكينة سياسية تحاول دفن الحقيقة الحية تحت طبقات من التهاني الرسمية والكلمات المنمقة، حتى يمر 25 يناير كأي يوم عادي، بلا هتاف، بلا سؤال، وبلا أمل في أن تستعيد الثورة يومًا حقها في الذاكرة والواقع معًا.

