في الوقت الذي تختنق فيه الطبقة الوسطى تحت وطأة الغلاء وارتفاع أسعار الفائدة وفواتير الخدمات، خرج مجلس الشيوخ ليقدّم ما يصفه بـ«إصلاح تشريعي» في قانون الضريبة على العقارات المبنية.
التعديلات التي مرّرها المجلس يوم الاثنين 19 يناير 2026 يُسوَّق لها كخطوة لتوسيع الإعفاءات وتسهيل السداد ورقمنة التحصيل، لكن القراءة الهادئة تكشف أننا أمام ترميم لقانون جباية قديم أكثر من كونه دفاعًا حقيقيًا عن سكن الأسرة أو حماية للمواطن من تغوّل الدولة الضريبية.
مهلة للوزير وطلاء تجميلي لقانون لم يُسأل عنه الناس
التعديل الأبرز يمنح وزير المالية ستة أشهر لتعديل اللائحة التنفيذية بما يواكب النصوص الجديدة، مع بقاء العمل باللائحة القديمة ما لم تتعارض مع التعديلات. على الورق، يبدو هذا «مرونة تشريعية»؛ في الواقع هو تفويض واسع لوزير واحد ليحدّد، عبر اللائحة، ما سيتحمّله ملايين الملاك والمستأجرين من أعباء فعلية.
يُقدَّم القانون باعتباره جزءًا من «حزمة تحسينات تشريعية» تهدف لتسهيل الإجراءات وتعزيز الرقمنة وتحسين علاقة المكلّف بالإدارة الضريبية. لكن العقدة ليست في طريقة الدفع ولا في عدد الأقساط؛ المشكلة في الفلسفة نفسها: الدولة تتعامل مع العقار – بما فيه السكن الأساسي – كوعاء ضريبي جاهز للنهب في ظل العجز المالي، بينما لا يرى المواطن بالمقابل خدمات عامة أو بنية تحتية أو عدالة اجتماعية تبرّر هذا النزيف المستمر من دخله.
«إعفاءات» على الورق.. وملايين يطاردهم تقدير اللجان
يُروَّج للتعديلات باعتبارها توسّع الإعفاءات وترفع الضريبة كليًا أو جزئيًا في حالات تهدم العقار أو استحالة الانتفاع به بسبب قوة قاهرة، مع إمكانية إسقاط الضريبة ومقابل التأخير عن المكلّف في حالات محددة:
- وفاة المكلّف دون تركة ظاهرة،
- عدم وجود أصول تُنفَّذ عليها الضريبة،
- إشهار الإفلاس نهائيًا،
- أو مغادرة البلاد عشر سنوات متصلة دون إمكانية السداد.
كل ذلك يبدو إنسانيًا على الورق، لكنه عمليًا يعني أن الدولة لا تتراجع عن الضريبة إلا عندما يكون صاحبها قد انهار فعليًا: ميت، مفلس، أو مهاجر بلا أصول. أما ملايين الأسر التي تعيش على حد الكفاف، وتملك شقة واحدة في منطقة متوسطة أو شعبية، فلا ضمانة حقيقية لها إلا تقديرات لجان وموظفين، وحد إعفاءات لم تُرفع بعد إلى مستويات تحمي السكن الأساسي كما يجب.
حتى توسيع حالات «رفع الضريبة» عند تهدم أو عدم انتفاع، يبقى رهنًا بإثباتات وبيروقراطية ثقيلة، في وقت يعرف فيه المصريون جيدًا أن الطريق من باب الحي إلى مكتب الضرائب مفروش بطلبات ومستندات وتعطيل، تجعل كثيرين يدفعون مضطرين هربًا من دوامة النزاع مع الدولة.
تقسيط ورقمنة… لكن من يدفع الفاتورة في النهاية؟
التعديل يسمح بسداد الضريبة على قسطين متساويين في نهاية يونيو وديسمبر، مع إتاحة الدفع الإلكتروني وتنظيم سداد الأقساط. هذه خطوة «متقدمة» في الشكل، لكنها لا تغيّر شيئًا في الجوهر: تقسيط العبء لا يلغي العبء، والرقمنة لا تحوّل الضريبة الجائرة إلى ضريبة عادلة.
يُقال إن التعديلات تأتي «لدعم الاستثمار وتخفيف العبء عن المواطنين» في لحظة يشهد فيها السوق العقاري قفزات قياسية في الأسعار. لكن الحقيقة أن المستثمر الكبير يملك دائمًا أدوات للهروب أو تمرير التكلفة إلى المستهلك، بينما يقع الضغط الأكبر على:
- صاحب الشقة التي ورثها عن والده،
- الأسرة التي اشترت بنظام التقسيط ثم وجدت نفسها أمام ضريبة سنوية متحركة،
- وسكان أحياء كاملة لا تعود عليهم أي خدمات تعادل ما يُقتطع منهم.
نعم، هناك بعض الجوانب الإيجابية – كإسقاط الدين في حالات العجز التام، وإقرار مبدأ التقسيط، وربط التحصيل بالوسائل الإلكترونية – لكنها تعديلات على هامش قانون ظالم في جوهره، يُستخدم لسد عجز موازنة فاشلة، لا لبناء دولة عادلة.
في بلد تتآكل فيه الطبقة الوسطى يومًا بعد يوم، تبدو هذه التعديلات أقرب إلى محاولة تجميل وجه منظومة جباية مثقوبة، لا إلى إصلاح حقيقي يضع حق المواطن في السكن والأمان الاقتصادي قبل حق الحكومة في تحصيل المزيد من الأموال لمواجهة عجز صنعته هي بسياساتها.

