دخلت الأزمة السورية منعطفًا سياسيًا وعسكريًا بالغ الحساسية، عقب إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع التوصل إلى اتفاق شامل مع قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، أنهى جولة عنيفة من المواجهات المسلحة، وفتح الباب أمام إعادة رسم خريطة السيطرة والنفوذ في شمال وشرق البلاد، وسط تطورات ميدانية متسارعة، وسقوط قتلى بعد الاتفاق، وتحركات إقليمية ودولية متزامنة.
اتفاق شامل بعد تصعيد خطير
أُعلن الاتفاق مساء الأحد، في أعقاب تصعيد عسكري غير مسبوق بين الجيش السوري و«قسد»، شهد انهيارًا سريعًا لمواقع الأخيرة غرب نهر الفرات، وتقدمًا واسعًا للقوات الحكومية في الرقة وأرياف حلب ودير الزور. وجاء التوقيع بعد اتصالات مكثفة، وبحضور المبعوث الأميركي، على أن تُستكمل تفاصيله خلال زيارة مرتقبة لقائد «قسد» مظلوم عبدي إلى دمشق.
وأكد الرئيس الشرع أن الاتفاق جاء «لتهدئة التوترات وحقن الدماء»، مشددًا على أن مؤسسات الدولة ستدخل جميع المحافظات الشرقية والشمالية الشرقية، في خطوة وصفها مراقبون بأنها الأوسع منذ اندلاع النزاع.
البنود: تفكيك شامل لنفوذ «قسد»
نص الاتفاق، المؤلف من 14 بندًا، على وقف فوري وشامل لإطلاق النار، واندماج كامل لقوات «قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع انسحاب التشكيلات العسكرية إلى شرق الفرات تمهيدًا لإعادة الانتشار.
وشمل الاتفاق تسليم محافظتي الرقة ودير الزور إداريًا وعسكريًا للحكومة السورية فورًا، واستلام الدولة كامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز، وفي مقدمتها العمر، التنك، كونيكو، والرميلان، بما يعني إنهاء الاستقلال المالي والعسكري الذي تمتعت به «قسد» لسنوات.
كما نص على دمج العناصر العسكرية والأمنية بشكل فردي ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، ما يؤدي عمليًا إلى تفكيك القيادة العامة لقسد، مع منح المنتسبين الرتب والمستحقات، وضمان خصوصية أمنية محدودة في الحسكة وعين العرب (كوباني).
حقوق ثقافية وإخراج «PKK»
في خطوة لافتة، رحّب الاتفاق بالمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي يعترف بالحقوق الثقافية واللغوية الكردية، ويعالج ملفات مكتومي القيد وحقوق الملكية. بالمقابل، التزمت «قسد» بإخراج جميع عناصر وقيادات حزب العمال الكردستاني غير السوريين من البلاد.
مقارنة حاسمة مع اتفاق مارس 2025
بعكس اتفاق مارس 2025، الذي أبقى «قسد» ككتلة عسكرية شبه مستقلة، جاء اتفاق يناير 2026 ليحسم مسألة السيادة، وينقل السلطة الكاملة إلى الرئيس أحمد الشرع، سواء في الجغرافيا أو الموارد أو القرار الأمني، مع نقل ملف معتقلي تنظيم «داعش» وسجونه ومخيماته إلى عهدة الدولة السورية.
ما بعد التوقيع: ميدان مشتعل ودماء تسيل
رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، شهدت الساعات التالية توترًا أمنيًا خطيرًا. فقد تحدثت وزارة الداخلية السورية عن «مجازر» في الحسكة والرقة، عقب استهداف متظاهرين ومحتفلين بالاتفاق، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.
في المقابل، أعلن الجيش السوري استشهاد 3 جنود وإصابة آخرين في هجمات اتهم فيها مجموعات من «قسد» وفلول النظام السابق بمحاولة تعطيل الاتفاق.
كما اندلعت اشتباكات متفرقة في ريف حلب الشرقي، ومحيط سد تشرين، وسجن الأقطان في الرقة، الذي يضم معتقلي تنظيم «داعش».
انتشار واسع وسيطرة على الأرض
بالتوازي، باشرت القوات الحكومية انتشارًا واسعًا في منطقة الجزيرة، ودخلت مدينتي الرقة ودير الزور لفرض الأمن، وسيطرت على سد تشرين وفتحت الطرق المؤدية إليه، مع تحذيرات رسمية للمدنيين من الألغام ومخلفات الحرب.
وأكدت هيئة العمليات في الجيش السوري استمرار عمليات التمشيط وتأمين الطرق الدولية، ولا سيما طريق «M4»، فيما نُقلت إصابات مدنية خطيرة جوًا إلى دمشق وحلب.
مواقف دولية وترحيب أممي
لقي الاتفاق ترحيبًا دوليًا، إذ رحّبت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بوقف إطلاق النار والاندماج الكامل لـ«قسد» ضمن مؤسسات الدولة، مؤكدة استمرار الدعم الإنساني. كما أبدت فرنسا دعمها للاتفاق، واعتبرت دمج «قسد» خطوة إيجابية نحو الاستقرار.
في السياق ذاته، أعلن تأجيل زيارة الرئيس الشرع إلى ألمانيا، والتي كانت مقررة لبحث ملفي اللاجئين وإعادة الإعمار، بسبب تطورات الوضع الداخلي.

