تجددت منذ ساعات حملة سياسية وإعلامية واسعة تستهدف جماعة الإخوان المسلمين عبر منصة "إكس"، من خلال هاشتاج حمل اسم الجماعة، شاركت فيه حسابات رسمية وأخرى تابعة للجان إلكترونية من الإمارات والكيان الصهيوني، إلى جانب إعلاميين وناشطين مقربين من الأجهزة الأمنية العربية.

ورغم أن مثل هذا القصف الإعلامي ليس جديدًا، فإنه يعيد الجماعة إلى واجهة النقاش العام، ويؤكد أن حضورها الرمزي لا يزال فاعلًا في الوعي السياسي العربي، رغم غيابها التنظيمي القسري عن المشهد منذ سنوات.

 

في قلب هذا السجال برز تيار من معارضي الجماعة – بعضهم استضيف طويلاً عبر قنوات الخارج – يردد أن الإخوان "انتهوا تنظيميًا وفقدوا التأثير"، مقابل أصوات أخرى تؤكد أن الإخوان "فكرة لا تموت"، وأن استمرار الهجوم عليهم يعكس حقيقة أنهم ما زالوا يمثلون خصمًا رئيسيًا لمشاريع الثورة المضادة، وأن استدعاء اسمهم في كل أزمة إقليمية ليس من فراغ.

 

حملة منسقة: اصطفاف أمني-إقليمي ضد الجماعة

 

من بين أبرز الأصوات في معسكر الهجوم، ظهر الإعلامي المصري توفيق عكاشة، المعروف بخطابه الشعبوي ("البط والجرجير")، الذي حاول جرّ القرار الأمريكي الخاص بتصنيف فروع الإخوان في مصر والأردن ولبنان كـ"منظمات إرهابية" إلى الساحة السودانية.

 

وكتب عبر حسابه @TawfikOkasha_ متهمًا الجماعة بدعم عبد الفتاح البرهان في السودان، ومصوِّرًا الصراع هناك على أنه بين "الإخوان" و"حميدتي"، بما يحوِّل تعقيدات المشهد السوداني إلى ثنائية أمنية مبسّطة تخدم سردية الأنظمة التي تحمّل الإخوان مسؤولية كل اضطراب إقليمي.

 

على الخط نفسه، جاء تفاعل حساب "أكابر المجرمين" @IsraelArabic الذي تبنّى خطابًا عامًا ضد "الفكر الإرهابي"، في تماهٍ واضح مع الرواية الإسرائيلية-الأمريكية التي تُقارب الإسلام السياسي باعتباره تهديدًا بنيويًا لأمن المنطقة، لا كفاعل سياسي متنوع المكونات.

 

وتقدّم ضاحي خلفان، القائد السابق لشرطة دبي، الصفوف عبر @Dhahi_Khalfan باتهامات حادة لطبيعة الجماعة وأخلاق أفرادها، واصفًا الإخوان بأنهم "إخوان الشياطين"، في امتداد لحملة إماراتية قديمة-متجددة تسعى لتجريم كل تعبير عن الإسلام السياسي، وربطه تلقائيًا بالتطرف والإرهاب، وتبرير التدخل المالي والأمني في مسارات دول المنطقة تحت شعار "مكافحة الإخوان".

 

في المقابل، جاءت تغريدة د. نور الدين @DRofficial_NR21 لتضع الدور الإماراتي في سياقه الأوسع، معتبرًا أن أبوظبي تتبع "نموذج سياسة خبيث في تخريب الدول"، وأنها تتحرك كفاعل أمني/مالي لا يشغله أي خطاب حول الشرعية أو الإدارة الرشيدة، رغم إعلانها الحرب على الإخوان المسلمين.

 

 

قرارات ترامب… تصنيف سياسي بغطاء "محاربة الإرهاب"

 

الجولة الجديدة من الهجوم على الإخوان ارتبطت مباشرة بإحياء قرار إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بتصنيف فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان كـ"منظمات إرهابية".

القرار، الذي رُوّج له حينها كخطوة ضد "التطرف"، اعتبره الكاتب والصحفي القطري د. عبد الله العمادي حلقة في سلسلة "حروب صليبية" ضد الإسلام، تُمرَّر هذه المرة عبر بوابة "الإخوان" بوصفهم الواجهة المناسبة لاستهداف الإسلام السياسي دون إعلان مواجهة مفتوحة مع الإسلام كدين أو مع الشعوب المسلمة.

 

وأوضح العمادي عبر حسابه @Abdulla_Alamadi أن الإرهاب في الأصل "خرج من رحم الغرب قبل غيرهم"، وأن القرارات العبثية من هذا النوع ليست موجهة للجماعة وحدها، بل هي رسائل سياسية تقول إن المعركة مع الإسلام وقواه المجتمعية لا تزال مستمرة، وإن تغيّرت الأقنعة والأدوات.

 

المحلل السياسي أدهم أبو سلمية @AdhamSelmiya ذهب في الاتجاه نفسه، رابطًا بين "الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية" في الدفع نحو تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية، ومعتبرا أن القرار جزء من مخطط أوسع لإعادة هندسة المنطقة سياسيًا وأمنيًا، وأن الأنظمة التابعة ستصفق لكل خطوة تُرضي تل أبيب، ولو كانت على حساب مجتمعاتها ونُخبها المعارضة.

 

 

الناشط الأردني ياسر العوران @yaloran لخّص حالة الارتهان العربي لترامب بسخرية لاذعة قائلاً إن الدول التي تهدد إيران خلف ترامب هي نفسها التي تتبعه في تصنيف الإخوان ودعم إسرائيل بلا تردد، حتى لو وصل الأمر إلى تقليده في أبسط تصرفاته، في إشارة إلى عمق التبعية السياسية.

 

 

في موازاة ذلك، سارعت وزارة الخارجية السعودية للترحيب بالتصنيف الأمريكي، واعتبرته منسجمًا مع "مكافحة التطرف والإرهاب"، وهو الموقف الذي وصفه حساب @drzawba بأنه "واحد من أغبى التصريحات السياسية في الوقت الراهن"، لما يحمله من اصطفاف كامل خلف قرار أمريكي-إسرائيلي التوجه، دون حساب لانعكاساته على المشهد الداخلي العربي أو على مستقبل الحركات الإسلامية التي تمثّل شريحة واسعة من المزاج الشعبي.

 

الإخوان كفكرة ورمز… ما بين النقد الداخلي والتعاطف الشعبي

 

في مقابل خطاب "دفن الجماعة" الذي عبّر عنه حسابات مثل @amrelhady4000، الذي ادعى أن الإخوان كانوا "ميتة إكلينيكيًا" وأن قرار ترامب مجرد "رفع للأجهزة"، برز تيار واسع من الأصوات التي تؤكد أن الإخوان – بوصفهم فكرة ومنهجًا – يتجاوزون الحسابات التنظيمية الآنية، وأن استمرار الحملات ضدهم دليل على أنهم ما زالوا شوكة في حلق مشاريع الاستبداد والهيمنة.

 

على الحساب نفسه ردّ مغردون كُثر؛ من بينهم أشرف القسام @alqsam_z21381 الذي رأى أن الإخوان وحماس قد يكونان "نواة جيش محمد" في لحظة تحوّل تاريخية بالمنطقة، مع عودة "أرض الحجاز مروجًا خضراء"، في تعبير رمزي عن الرهان على عودة الإسلاميين إلى واجهة المشهد السياسي في العالم الإسلامي.

 

في الاتجاه ذاته، عبّرت سارة @souleima1995 – التي تعرّف نفسها كـ"علمانية جدًا" – عن تعاطف واضح مع إخوان مصر، مذكّرة بأن الفدائيين المنتمين للجماعة شاركوا في القتال في 1948 و1973، وأن الحرب الحالية عليهم تعود لكونهم "ليسوا خونة"، رغم انتقادها لثورتهم على حسني مبارك وطريقة إدارتهم للمرحلة الانتقالية.

 

 

مغردون آخرون، مثل @mamdouh48165968، قدّموا الإخوان كـ"ضمير الأمة النابض" ولسان الصدق في بحر الأكاذيب، فيما اختارت غادة أحمد أمين @ghadaamin901 التمييز بين "الفكرة والمنهج" بوصفهما امتدادًا للإسلام الشامل الذي أسسه حسن البنا، وبين أداء الأفراد والأعضاء الذي يمكن أن يُؤخذ عليه ويُنقد، دون أن يُسقط المرجعية الكلية للفكرة.

 

أما السخرية الأشد فجاءت من حساب @Saad1elbarki الذي قلب سردية "الإرهاب" رأسًا على عقب، من خلال مقارنة ساخرة حمّل فيها القوى الغربية مسؤولية الجرائم الكبرى في التاريخ الحديث (إبادة ملايين الهنود، والقصف النووي لليابان)، متسائلاً عن منطق تصنيف جماعة كالإخوان إرهابية، بينما تُمنح القوى الاستعمارية صكوك الشرعية.

 

خلاصات المشهد: حملة قديمة تتجدد… وفكرة ترفض الانطفاء

 

الحملة ضد الإخوان المسلمين ليست طارئة على اللحظة الراهنة؛ فهي ممتدة منذ ثورات الربيع العربي 2011، وتصاعدت مع وصولهم إلى الحكم في مصر 2012، ثم الانقلاب عليهم في 2013، ومع استمرار الحراك في الشارع حتى 2017، قبل أن تتخذ شكلًا أكثر شراسة بعد عملية "طوفان الأقصى"، حين عاد اسم الجماعة إلى الواجهة مع صعود المقاومة الفلسطينية ونجاحها في فرض وقف متكرر للحرب، واستدعاء قادتها إلى طاولات التفاوض في الدوحة وشرم الشيخ.

 

الجولة الحالية من الهجوم – التي تستثمر في قرار ترامب وتصفيق أنظمة عربية بعينها – تزامنت مع موجة نقد داخل بعض دوائر المعارضة تتهم الجماعة بأنها "أساءت فهم الدولة" وأخطأت في إدارة المرحلة الانتقالية من 25 يناير 2011 حتى يونيو 2013.

غير أن هذا الخطاب، في ظل اعتقال "مفاتيح" تلك الحقبة من قادة الثورة والإخوان وغيرهم، يتحول – كما يرى منتقدوه – إلى نوع من جلد الضحية، وإعادة إنتاج لرواية الأجهزة الأمنية نفسها التي يروّج لها محللو الأمن الوطني من عينة فؤاد علام وأحمد بان وفرغلي وآخرين.

 

في المحصلة، تكشف هذه الحملة أن الإخوان، سواء اتفقنا أو اختلفنا معهم، لا يزالون حاضرين كفكرة ورمز في قلب الصراع على هوية المنطقة واتجاه بوصلتها السياسية.

فكلما حاولت أنظمة الاستبداد والإقصاء دفن الجماعة تحت ركام التصنيفات والبيانات والهاشتاجات، أعاد السجال نفسه طرح السؤال الأعمق: هل المشكلة في وجود الإخوان، أم في منظومة إقليمية-دولية تخشى أي مشروع يربط بين الإسلام، والحرية، وإرادة الشعوب في تقرير مصيرها؟