أصبح الإنترنت، جزءًا أساسيًا من حياتنا، حتى إنه لا يتصور كثير من الناس كيف يمكن أن يعيشوا دون أن يكونوا متصلين بالشبكة العنبكوتية، وهو ما يكشف إلى أي مدى أثرت هذه التكنولوجيا بشكل عميق في نفسيتنا، لكن الإفراط في استخدامها قد يكون له عواقبه. 

 

على سبيل المثال، هناك اعتقاد شائع بأن الإنترنت يسبب اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، وهذا ليس مجرد تعبير مجازي، ففي الواقع أدى الإنترنت إلى برمجتنا على التفكير بشكل مختلف، وتشتت تركيزنا تحت تأثير الإشعارات الفورية، وعدد لا يحصى من علامات التبويب المفتوحة، والتنقل المستمر بين التطبيقات، دون أن نعد قادرين على التركيز على "نافذة" واحدة.

 

الإنترنت يحفز أعراض اضطراب نقص الانتباه 

 

وسلطت كاثرين دي الكاتبة المتخصصة في ثقافة الإنترنت، الضوء على مقال نُشر عام 2015 في "واشنطن بوست"، تناولت خلاله الصحفية كايتلين ديوي فرضية مثيرة للجدل طرحها عالم النفس مايكل بيتروس من جامعة شيكاغو. وكتبت: "ربما لا تكون هذه مجرد مضايقات من عصر الإنترنت، بل شيء يقترب من كونه حالة مرضية حقيقية.. اتضح أن الإنترنت يحفز نفس أنواع السلوكيات وعمليات التفكير التي تميز اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط".

 

وفي نفس العام، تم إضفاء الطابع الرسمي على حالة أخرى متعلقة بالإنترنت، أو على الأقل ناجمة عن الأجهزة المتصلة بالإنترنت، في الأدبيات الطبية، تُسمى التوحد الافتراضي.

 

وقال عالم النفس الفرنسي سيرج تيسيرون، إن الأطفال الذين يتعرّضون لتفاعل رقمي مستمر قد تظهر عليهم أعراض مشابهة لأعراض اضطراب طيف التوحد. 

 

طفل الآيباد

 

وعلى الرغم من أن ظاهرة " طفل الآيباد " كانت موجودة منذ سنوات - ولا تزال مستمرة حتى اليوم - إلا أنها تحظى الآن بالاعتراف الطبي. ولا تزال هذه النظرية مثيرة للجدل، لكن الأدلة المتزايدة على تأثير وقت الشاشة ليس فقط على نمو الطفل، بل أيضًا على الإدراك لدى البالغين، باتت واضحة بشكل متزايد.

 

وأصبحت هذه العلاقات عبر الإنترنت طاغية لدرجة أن المرضى فقدوا إدراكهم للقيود الأساسية للتفاعل الافتراضي، فتطورت لديهم ليس فقط هواجس عاطفية، بل تجارب حسية تتحدى الواقع المادي. وأحد تفسيرات هذه الحالات أنها تمثل الذهان والبيئات التي تُحفزه، وتفسير آخر هو أننا نقلل من شأن مدى عمق تأثيرات الإنترنت. 

 

وأثبتت الأبحاث أن استخدام الإنترنت يمكن أن ينتج أعراضًا تشبه أعراض اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط وأعراضًا تشبه أعراض التوحد لدى الأفراد "الأصحاء"، بالإضافة إلى تفاقم حالات الصحة العقلية الموجودة، مسبقًا مثل اضطراب الشخصية الحدية.

 

بل إن هناك بعض الأدلة التي تشير إلى أن الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية أكثر عرضة للإفراط في استخدام الإنترنت، فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة أجريت عام 2011 أن إدمان الإنترنت يرتبط بأعراض تتراوح بين القلق والاكتئاب والذهان، مع أنها لم تتمكن من تحديد ما إذا كانت هذه الأعراض سابقة لاستخدام الإنترنت أم ناتجة عنه. 

 

الإنترنت  واضطراب الشخصية الحدية

 

وفي دراسة أخرى أجريت عام 2017 على 500 طالب جامعي في تايوان، وُجدت علاقة أكثر تعقيدًا: إذ كان الطلاب الذين لديهم أعراض اضطراب الشخصية الحدية أكثر عرضة لظهور علامات إدمان الإنترنت، مع وجود مشاكل صحية نفسية كالاكتئاب والقلق تُؤثر في هذه العلاقة. 

 

وعلى الرغم من أن الدراسة لم تتمكن من إثبات السببية، إلا أنها افترضت أن الناس قد يستخدمون الإنترنت كوسيلة للتكيف مع الضغوط النفسية، مما قد يُعزز كلاً من هذه الضغوط واستخدام الإنترنت.