اعتبر الخبير العسكري والإستراتيجي اللواء المتقاعد فايز الدويري أن إعلان الجيش السوري منطقتي دير حافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي منطقتين عسكريتين مغلقتين يشكل الخطوة الأولى في مسار عسكري مدروس، هدفه فرض نهر الفرات كفاصل ميداني طبيعي بين قوات الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). ويرى الدويري أن هذا الإعلان لا يُقرأ كإجراء أمني مؤقت، بل كجزء من إعادة تشكيل خطوط التماس بما يخدم معادلة عسكرية جديدة غرب الفرات.

 

وأوضح الدويري أن المقارنة بين هذا التحرك وسيناريو حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب تظل ممكنة من حيث المبدأ، لكنها غير دقيقة عمليًا، نظرًا لاختلاف الطبيعة الجغرافية واتساع رقعة العمليات، إضافة إلى اختلاف الأهداف العسكرية. وشدد على أن العمليات في هذه الجغرافيا لا تقوم على الاقتحام المباشر داخل مناطق مكتظة، بل على المناورة وفرض الطوق التدريجي.

 

نقاط الارتكاز ومعركة السيطرة غرب الفرات

 

من منظور عسكري بحت، يرى الدويري أن السيطرة على ثلاث نقاط ارتكاز رئيسية هي دير حافر، ومسكنة في ريف حلب الشرقي، والطبقة في ريف الرقة الغربي، تمثل ضرورة عملياتية لا غنى عنها. فهذه النقاط تقع جنوب وغرب نهر الفرات، وتُبقي في حال غياب السيطرة عليها جيبًا واسعًا بلا مانع طبيعي واضح، ما يفتح المجال أمام تحركات معادية باتجاه العمق الحيوي لحلب.

 

وأشار إلى أن دير حافر تمتلك قيمة تعبويّة عالية، إذ شكّلت في مراحل سابقة نقطة انطلاق لهجمات جوية، لقربها النسبي من مدينة حلب التي تبعد عنها نحو 56 كيلومترًا فقط. كما أن تقارب المسافات بينها وبين مسكنة والطبقة يعزز من أهميتها في أي تخطيط عملياتي يسعى إلى ضبط الإيقاع العسكري في هذا القطاع.

 

تصعيد ميداني وجبهة ممتدة

 

ميدانيًا، أفاد مراسل الجزيرة صهيب الخلف بتصاعد التوتر في ريف حلب الشرقي، في ظل إقدام قوات "قسد" على تدمير جسور على قنوات نهرية قرب دير حافر، في خطوة تعكس استعدادًا واضحًا لمواجهة محتملة، بالتزامن مع وصول تعزيزات كبيرة للجيش السوري.

 

وأوضح الخلف أن خط الجبهة بين الطرفين يمتد لمسافة طويلة غرب الفرات، ويشمل دير حافر ومسكنة والقواص والبابيري، إضافة إلى محيط سد تشرين. وأشار إلى أن الجيش السوري تحدث عن استهداف نقاط تابعة له في هذه المناطق، ما يدل على أن حالة التوتر لا تتركز في محور واحد، بل تمتد على طول شريط جغرافي واسع.

 

وبحسب المراسل، فإن المعركة المحتملة تبدو أوسع وأكثر تعقيدًا من العمليات السابقة في الشيخ مقصود والأشرفية، لا سيما مع وجود مطاري كويرس والجراح ضمن نطاق العمليات، وما يمثله ذلك من ثقل عسكري للطرفين في بيئة مفتوحة تفتقر إلى عوائق طبيعية حاسمة.

 

سياق أمني وتحركات احترازية

 

من دمشق، قال مراسل الجزيرة ميلاد فضل إن إعلان المنطقة العسكرية المغلقة جاء في سياق تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة باتجاه مدينة حلب، واتهام "قسد" بإرسال تعزيزات تضم عناصر من حزب العمال الكردستاني، إلى جانب مجموعات من فلول النظام السابق.

 

وأضاف فضل أن هيئة العمليات العسكرية السورية دفعت خلال الأيام الماضية بتعزيزات إضافية إلى محاور التماس، ووجهت نداءات للأهالي بالابتعاد عن المواقع العسكرية التابعة لـ"قسد". وأكدت الهيئة، بحسب المراسل، أنها لن تسمح بانطلاق أي تهديد من دير حافر أو مسكنة باتجاه مدينة حلب، في إشارة إلى اعتبار هذه المناطق خطوط إنذار مبكر للأمن الحضري للمدينة.

 

مناورة عسكرية بدل الاشتباك المباشر

 

في تحليله لطبيعة العمليات المرتقبة، شدد اللواء فايز الدويري على أن المعركة المحتملة تختلف جذريًا عن معارك الأحياء السكنية، إذ تمتد المساحة من حلب إلى الرقة لمسافة تقارب 150 كيلومترًا، ما يفرض اعتماد أسلوب المناورة العسكرية وفرض الطوق بدلًا من الاشتباك المباشر.

 

وبيّن أن تطويق دير حافر أو مسكنة كفيل بتجفيف الخيارات الدفاعية لـ"قسد"، خاصة مع إمكانية إغلاق الطرق القادمة من دير الزور شمالًا. وأشار إلى أن الكثافة السكانية المحدودة في هذه المناطق تقلل من كلفة العمليات مقارنة بالقتال داخل المدن.

 

ويرى الدويري أن المهاجم يتمتع في هذا المسرح بأريحية أكبر، إذ يستطيع حشد قواته وتوجيهها نحو أهداف محددة، في حين يُجبر الطرف المدافع على تشتيت قواته على جبهة واسعة ذات عمق دفاعي ضعيف نسبيًا، ما يجعلها عرضة للاختراق.

 

الفرات كحل عسكري وسياسي

 

في ما يتعلق بالبعد الإستراتيجي الأوسع، اعتبر الدويري أن "قسد" تفتقر إلى عمق حقيقي غرب الفرات، محذرًا من احتمال تحرك الجيش السوري شمالًا لفتح جبهة معكوسة تضعها تحت ضغط مزدوج. وأكد أن الخيار الأقل كلفة بالنسبة لـ"قسد" يتمثل في الانسحاب إلى شرق الفرات والارتكاز إلى المانع الطبيعي، تمهيدًا لمسار سياسي لاحق، وهو ما تسعى العمليات العسكرية الجارية إلى فرضه كأمر واقع.

 

إعادة تأمين حلب وتثبيت الاستقرار

 

وبحسب خارطة تفاعلية عرضتها الجزيرة، تمثل دير حافر آخر وأهم نقاط تمركز "قسد" غرب الفرات، وتبعد نحو 50 كيلومترًا عن مدينة حلب، ما يمنحها حساسية أمنية عالية في الحسابات الحكومية. ولا ينفصل إعلان دير حافر ومسكنة منطقتين عسكريتين مغلقتين عن إعادة ترتيب المجال الحيوي لحلب، إذ تقع هذه المناطق ضمن الشريط الأكثر حساسية أمنيًا، والذي وُجهت اتهامات لـ"قسد" باستخدامه منصة لإطلاق الطائرات المسيّرة.

 

كما أن السيطرة على هذا الامتداد غرب الفرات ترفع المسافة الفاصلة بين حلب وأقرب نقاط تمركز "قسد" من نحو 50 كيلومترًا إلى قرابة 90 كيلومترًا، ما يقلص قدرة الاستهداف ويمنح الجيش السوري هامشًا أوسع لحماية المدينة. ويعكس إدراج محطة ضخ مياه البابيري ضمن المنطقة العسكرية بعدًا إستراتيجيًا إضافيًا، نظرًا لكونها شريانًا حيويًا لتغذية حلب بالمياه، ما يجعل تأمينها جزءًا من معركة تثبيت الاستقرار، لا مجرد تحرك عسكري عابر.