يؤكد الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، أن على حكّام المسلمين أن يدركوا أنهم يحكمون شعوبًا مسلمة، ومن حق هذه الشعوب أن تُبنى دساتيرها وقوانينها ومناهجها التعليمية وإعلامها وسياساتها العامة على عقيدتها الإسلامية وقيمها ومقومات هويتها، لا أن يُكتفى برفع شعار الإسلام مع تعطيل شريعته وترك القرآن والسنة خارج دائرة التشريع والحكم. ويرى أن ما يفعله كثير من الحكام من تجاهل لضمير الأمة بلغ حدًا لا يُحتمل.

 

ويوضح العلامة أن بعض الحكّام يرفضون الإسلام جهرةً، ويدعون للتبعية للشرق أو الغرب، حتى أصبح المسجد نفسه أداة لتأييد السلطة، بينما آخرون يفصّلون "إسلامًا" على مقاس أهوائهم، يأخذون منه ما يروق لهم ويتركون ما يخالف مصالحهم، متجاهلين إجماع الأمة وعلماءها. وطرف ثالث يستورد القوانين ويترك للدين ركنًا ضيقًا بمفهوم كنسي غربي: عقيدة بلا شريعة ولا دولة. ويخلص القرضاوي إلى أنه لا خلاص للأمة ولا عزّ لها إلا بالعودة لحكم الإسلام، وإلا فستظل المجتمعات تُنتج متطرفين دينيين وغير دينيين.

 

على حكّام المسلمين أن يرجعوا إلى شرع الله

 

على حكّام المسلمين أن يدركوا أولًا أنهم يعيشون في أوطان هي بلاد الإسلام، ويحكمون شعوبًا هويتها الأصلية الإسلام، عقيدةً وشريعةً وقيمًا. ومن أبسط حقوق أي شعب أن تُصاغ دساتيره وقوانينه وفقًا لعقيدته، وأن تُبنى مناهج التعليم على ثوابته، وأن تتحرك أجهزة الإعلام والثقافة في اتجاه حراسة هذه الهوية وترسيخها، وأن تُرسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية والداخلية والخارجية في إطار هذا الدين، وبما يخدم أهدافه ومقاصده في العدل والكرامة والحرية.

 

أمّا أن يرفع الحاكم شعار الإسلام في اسمه وخطابه، ثم يعطّل حكمه وشرعه في الواقع، ويعرض عن القرآن وسُنّة النبي ﷺ، ويتنكر لشعائره وحدوده وأحكامه، فذلك تناقض لا يقبله عقل، ولا يرضاه دين، ولا تصبر عليه ضمائر الشعوب المسلمة إلى الأبد.

 

حكّام يرفضون الإسلام جهرةً أو يفصّلونه على أهوائهم

 

لقد بلغ تحدّي كثير من الحكام في العالم الإسلامي لضمائر شعوبهم حدًّا لا يُحتمل؛ فمنهم من يرفض الإسلام جهرةً، وينادي بالتبعية الكاملة للشرق أو للغرب، ولا يقبل حتى أن تُترك للإسلام زاوية ضيقة يعبّر فيها عن نفسه. بل إن بعضهم حوّل المسجد ذاته إلى منبر لتأييد النظام وتبرير سياساته، ومن يتجرأ على مخالفة هذا المسار يلاحَق ويُضيَّق عليه ويُقصى.

 

ومن الحكام من يدّعي الإسلام، ولكن إسلامه من صناعة عقله وهواه، لا من كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ولا من فهم العلماء والفقهاء. يأخذ من الدين ما يوافق مصلحته، ويرفض ما لا يعجبه، ويجعل رأيه هو الميزان، فما وافقه فهو الحق، وما خالفه فهو الباطل، لا يلتفت إلى ما أجمع عليه سلف الأمة وخلفها، ولا يقيم وزنًا لأئمة الفقه والأصول ومفسري القرآن وشُرّاح الحديث. يُخرج للناس إسلامًا جديدًا مفصّلًا على مقاس السلطة ومصالحها، لا على مقاس الوحي ومقاصده.

 

دين منزوع الشريعة: "دع ما لقيصر لقيصر" بنسخة عربية

 

ونمط ثالث هو نمط "التديّن المعلّب"، حيث تُستورد الأفكار والقوانين من الخارج، ولا يُترك للإسلام في البنية القانونية إلا ركن ضيق: كقوانين الأحوال الشخصية، أو برنامج ديني في الإذاعة والتلفزيون، أو صفحة دينية في جريدة كل جمعة، ليبدو المشهد وكأن الدين حاضر، بينما هو محصور في زوايا هامشية لا تأثير لها في مسار المجتمع وسياساته.

 

في هذا النموذج، يُعامل الدين بمفهومه الكنسي الغربي: علاقة خاصة بين العبد وربه، لا شأن لها بالحياة العامة ولا بنظام الحكم ولا بالاقتصاد ولا بالإعلام. فإذا حاول عالم أو داعية أو كاتب أن ينكر منكرًا علنيًا، أو ينتقد انحرافًا سياسيًا وأخلاقيًا، قيل له: لقد سيّست الدين، وتجاوزت حدودك، وأدخلت الدين فيما لا ينبغي أن يدخل فيه! وكأن المطلوب من العلماء أن يتعلموا غير ما علّمهم الله ورسوله، وأن ينسوا فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يتركوا الواقع نهبًا للفساد باسم "فصل الدين عن السياسة".

 

لا عزّ للأمة إلا بالإسلام

 

لقد آن لحكام المسلمين أن يدركوا أنه لا خلاص لشعوبهم، ولا استقرار حقيقي لمجتمعاتهم، ولا كرامة لأوطانهم، إلا بالرجوع الجاد إلى الإسلام: عقيدةً وشريعةً ونظام حياة. فالتجارب أثبتت أن استيراد النماذج الجاهزة من الشرق والغرب لم يَزِد أوطاننا إلا اضطرابًا وتبعيةً وهشاشةً في الداخل والخارج.

 

وكما قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نحن كنّا أذلّ قوم، فأعزّنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزّ بغيره أذلّنا الله."

 

وما لم يُحكَّم شرع الله في حياة المسلمين، ويُرفع القرآن والسنة معيارًا أعلى فوق الأهواء والسياسات العابرة، فستظل مجتمعاتنا تُفرز من وقت لآخر موجات من التطرف الديني وغير الديني؛ لأن الفراغ الذي يتركه غياب العدل، وغياب الشريعة، وغياب الكرامة، لا يبقى فارغًا طويلًا، بل يُملأ بالغلوّ أو الفوضى أو الانفجار الاجتماعي.