يكشف الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، قراءات معمقة في جذور ظاهرة التطرف عن حقيقة صادمة، مفادها أن المجتمعات لم تكن مجرد ساحة محايدة نشأت فيها هذه الظاهرة، بل كانت في كثير من الأحيان عنصرًا فاعلًا في إنتاجها وتهيئة شروط نموها. فحالة التناقض الحاد، واضطراب الأوضاع، والممارسات التي تجافي جوهر الإسلام، أسهمت مجتمعة في خلق بيئة خصبة لانحرافات فكرية وسلوكية خطيرة. هذا الواقع يضع المجتمعات أمام مسؤولية مباشرة لا تقبل التأجيل، عنوانها الأساسي الانتقال من موقع التفسير والتبرير إلى موقع المعالجة الجذرية.
العلامة في الشأن الفكري والديني يؤكدون أن أي مقاربة جادة لمواجهة التطرف لا يمكن أن تنجح ما لم تبدأ من داخل المجتمع نفسه، عبر مراجعة صريحة لطبيعة علاقته بالإسلام، وحدود التزامه الحقيقي به، بعيدًا عن الشعارات العامة والادعاءات الشكلية.
الانتماء للإسلام بين الادعاء والالتزام
تبدأ مسؤولية المجتمع، وفق هذا الطرح، من الاعتراف الواضح بالانتماء إلى الإسلام، وما يستتبعه هذا الانتماء من التزام وسلوك عملي. فالإسلام لا يُختزل في شعارات تُرفع، ولا في نصوص دستورية جامدة، ولا في تعريفات رسمية لا تجد طريقها إلى الواقع. هذا المعنى يتجلى بوضوح في الرؤية التي تؤكد أن الخلل لا يكمن في النص الديني، بل في طريقة التعامل معه اجتماعيًا وتطبيقيًا.
وفي هذا الإطار، يبرز التصور الذي يرى أن المجتمعات العربية والإسلامية أسهمت، بوعي أو دون وعي، في نشوء التطرف، وهو ما يستدعي استحضار هذا الطرح كما ورد دون اجتزاء أو تحوير، باعتباره جزءًا من التحليل وليس مادة منفصلة عنه:
لقد اتضح لنا من دراستنا السابقة أن مجتمعاتنا كان لها دور بارز- بتناقضاتها واضطراب أوضاعها ومجافاتها للإسلام - في ولادة ظاهرة التطرف ونموها. والواجب عليها إزاء ذلك أن يكون لها دور في علاجها.
ويبدأ هـذا الدور من نقطة مهمة، هـي أن يعترف هـذا المجتمع بانتمائه للإسلام، وما يقتضيه هـذا الانتماء من التزام وسلوك، فالإسلام ليس مجرد دعوى تدعى، ولا شعار يرفع، ولا مجرد نص في الدستور على أن دين الدولة الإسلام, ثم تسير سفينة الحياة بعدها في خط يجافي الإسلام.
إن الإسلام منهج متكامل للحياة، يصبغها بصبغته الربانية، ويوجهها وجهته الأخلاقية، ويضع لها الإطار والمعالم والحدود التي تضبط سيرها، وتربطها بغاياتها، وتقيها الانحراف عن الجادة، أو السقوط في الحفر، أو الضياع في مفارق الطرقات.
الإسلام كمنهج شامل لا يقبل التجزئة
يرى الدكتور يوسف القرضاوي أن أحد أخطر مظاهر الخلل يتمثل في التعامل الانتقائي مع الإسلام، عبر الأخذ ببعض أحكامه وترك بعضها الآخر، وهو سلوك له جذور تاريخية حذرت منها النصوص الدينية بوضوح. فالإسلام، وفق هذا الفهم، منظومة متكاملة لا تستقيم إذا جرى تفكيكها أو تجزئتها.
ويؤكد العلامة أن الإسلام ليس مجرد عقائد ذهنية، بل منظومة شاملة تقوم على توازن دقيق بين الفكر والسلوك والتشريع، وهو ما يتضح في هذا التصور المتكامل:
لهذا كان الإسلام عقائد تقوم الفكر، وعبادات تطهر القلب، وأخلاقا تزكي النفس، وتشريعا يقيم العدل، وآدابا تجمل الحياة.
ولا بد - لكي يكون المجتمع مسلما حقا - من الالتزام بالإسلام كله، ولا يكون كمجتمع بني إسرائيل الذين أخذوا ببعض أحكام التوراة، ولم يأخذوا ببعض، فقرعهم الله تعالى بقوله: ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ) (البقرة: 85) .
ويشير الشيخ إلى أن هذا الانتقاء يفتح الباب أمام تطرفين متقابلين: تطرف يعطل الدين بالكامل، وتطرف آخر يفرض فهمًا مشوهًا له بالقوة، وكلاهما نتاج غياب الالتزام الشامل والمتوازن.
تعطيل الشريعة وازدواجية الخطاب
تؤكد الرؤية التحليلية أن الإيمان الحقيقي لا يكتمل دون الرضى بحكم الله ورسوله في مختلف شؤون الحياة، سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو فكرية. فالفصل بين الدين ومجالات الحياة المختلفة يمثل، وفق الخبراء، أحد منابع الاضطراب القيمي الذي يغذي التطرف.
ويعكس هذا الطرح بوضوح فكرة أن الإيمان ليس موقفًا شعوريًا فقط، بل عقدًا ملزمًا يترجم إلى سلوك عملي:
لا بد لكي يكون المجتمع مسلما من الرضى بحكم الله ورسوله في كل شؤون الحياة: اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو فكرية. فهذا هـو مقتضى عقد الإيمان ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) (النساء: 65) .
( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هـم المفلحون ) (النور: 51) .
ويؤكد فضيلته أن استمرار التناقض بين الإيمان المعلن والتطبيق المعطل، وبين الاعتراف النظري بالإسلام واستيراد أنظمة فكرية وتشريعية بديلة عنه، يمثل بيئة مثالية لتفريخ التطرف. هذا التناقض، كما يوضح الطرح، لا يمكن القفز عليه أو تجاهله:
يجب على مجتمعاتنا أن تزيل هـذا التناقض الصارخ القائم في حياتنا اليوم بين إيماننا بالإسلام عقيدة وشريعة من عند الله، وبين تجميدنا لأحكامه، وتعطيلنا لحدوده، وإغفالنا لتوجيهاته وآدابه، واستيرادنا لمذاهب وأنظمة من الغرب والشرق بديلا عنه، وبعد ذلك نزعم أننا مسلمون!!
ويخلص القرضاوي إلى أن مواجهة التطرف تبدأ بإصلاح الداخل، وردم الفجوة بين القول والفعل، وبناء نموذج مجتمعي منسجم مع مرجعيته، قبل البحث عن حلول أمنية أو ردود أفعال مؤقتة.

