تشهد مصر موجة متصاعدة من الاحتجاجات العمالية تعكس عمق الأزمة التي يعيشها ملايين العاملين، في ظل تدهور الأجور، وتآكل الحماية الاجتماعية، وتراجع الدور التاريخي للدولة كضامن للعدالة الاجتماعية.

هذه الموجة لم تعد حالات متفرقة أو مطالب فئوية محدودة، بل تحولت إلى ظاهرة ممتدة في القطاعين العام والخاص، تكشف عن خلل هيكلي في العلاقة بين الدولة ورأس المال من جهة، والعمال من جهة أخرى.

 

وتبرز إضرابات عمال شركات السكر الحكومية، إلى جانب وقائع الفصل التعسفي في شركة «أكاي» للملابس الجاهزة، كنموذجين فاضحين لهذا الخلل، حيث تتقاطع الأرباح المرتفعة، مع أجور متدنية، وسياسات إدارة قائمة على الضغط الأمني أو التجاهل، بدلًا من الحوار والعدالة.

 

أرباح بالمليارات وأجور تحت خط الفقر: إضراب عمال شركات السكر

 

يواصل عمال سبع شركات حكومية تابعة لشركة السكر والصناعات التكاملية إضرابهم عن العمل في محافظات الجيزة وقنا وأسوان، احتجاجًا على تأخر صرف نصيبهم من الأرباح، وعدم تطبيق الحد الأدنى للأجور البالغ 7 آلاف جنيه، إلى جانب مطالب متراكمة منذ سنوات، تشمل العلاوات المتأخرة، وتسوية الأوضاع الوظيفية، وتثبيت العمالة المؤقتة.

 

المفارقة الصارخة التي تشعل غضب العمال، وتثير تساؤلات خبراء الاقتصاد والعمل، أن هذه الاحتجاجات تأتي في توقيت أعلنت فيه الشركة تحقيق قفزة هائلة في الإيرادات، من 33 مليار جنيه إلى 44 مليار جنيه خلال عام واحد فقط.

هذه الأرقام تطيح بكل الذرائع الإدارية المتكررة حول «عدم توفر السيولة»، وتكشف عن أزمة توزيع لا أزمة موارد.

 

خبراء في شؤون العمل يرون أن استمرار أجور بعض العمال عند مستويات لا تتجاوز 3 آلاف جنيه، رغم خدمة تمتد إلى 25 عامًا داخل شركة حكومية استراتيجية، يعكس انفصالًا خطيرًا بين الأداء المالي والمؤشر الاجتماعي.

شركة يفترض أن تكون ذراعًا للدولة في تحقيق التوازن الاجتماعي، تحولت عمليًا إلى كيان يدار بمنطق الربحية المجردة، مع تحميل العمال كلفة الاستقرار المالي.

 

وتزداد خطورة المشهد مع اقتراب موسم الإنتاج، حيث يؤكد خبراء أن تجاهل مطالب العمال في هذا التوقيت لا يهدد فقط حقوقهم، بل يضع الأمن الغذائي ذاته تحت الضغط، في ظل اعتماد الدولة على هذه الشركات لتأمين سلعة أساسية.

 

الدولة كصاحب عمل: إدارة بالأمن بدل العدالة

 

بدلًا من التعاطي الجاد مع مطالب العمال، اتبعت إدارة شركات السكر – وفق شهادات موثقة – نمطًا تقليديًا في احتواء الاحتجاجات، شمل تأجيل انعقاد الجمعية العمومية دون مبرر واضح، وطرح «سُلف» مالية مجتزأة بدل صرف الأرباح المستحقة، إضافة إلى استدعاء بعض العمال من قبل جهات أمنية، واستخدام النقل التعسفي كعقوبة غير مباشرة للمحتجين.

 

خبراء في السياسات العامة يرون أن هذه الممارسات لا يمكن فصلها عن تحول أوسع في دور الدولة، من طرف يفترض أن يكون حكمًا عادلًا بين العمل ورأس المال، إلى طرف مباشر في الصراع، يستخدم أدوات الضغط الإداري والأمني للحفاظ على استقرار شكلي، حتى لو جاء على حساب الحقوق المشروعة.

 

هذا النهج، بحسب خبراء، يعمّق فجوة الثقة بين العمال والمؤسسات الحكومية، ويحوّل الاحتجاج من وسيلة تفاوض إلى حالة مواجهة مفتوحة، خاصة مع غياب آليات مستقلة وفعالة للوساطة العمالية داخل القطاع العام.

 

القطاع الخاص بلا سقف: فصل تعسفي وتمييز وصمت رسمي

 

في موازاة أزمة القطاع العام، يكشف القطاع الخاص عن صورة أكثر قتامة، كما في واقعة فصل 9 عاملات تعسفيًا من شركة «أكاي» للملابس الجاهزة في المنطقة الاستثمارية ببورسعيد. الواقعة، كما وثقتها دار الخدمات النقابية والعمالية، لا تتعلق فقط بالفصل دون تحقيق أو إخطار، بل تنطوي على تمييز صريح على أساس النوع الاجتماعي، في مخالفة مباشرة لقانون العمل رقم 14 لسنة 2025.

 

الأخطر، وفق خبراء قانون العمل، هو لجوء الشركة إلى أساليب التفاف واضحة، شملت الضغط على العاملات لتقديم استقالات قسرية، وحرمانهن من مستحقاتهن القانونية، في ظل غياب رقابة حقيقية من وزارة العمل داخل المناطق الاستثمارية.

 

هذا الصمت الرسمي يبعث برسالة شديدة الخطورة إلى المستثمرين، مفادها أن انتهاك حقوق العمال يمر دون تكلفة سياسية أو قانونية.

وهو ما يعزز نموذج «الانفتاح الاستثماري بلا ضمانات»، حيث تُمنح الشركات تسهيلات واسعة، دون ربطها بمعايير عمل لائق أو حماية اجتماعية.

 

خبراء الاقتصاد الاجتماعي يحذرون من أن هذا الانحياز الهيكلي لرأس المال – العام والخاص – ليس عارضًا، بل جزء من نموذج اقتصادي يقوم على تحميل الطبقات العاملة كلفة الأزمات المالية، مقابل حماية الأرباح وتقديم الإعفاءات لرؤوس الأموال، المحلية والأجنبية.

 

نحو أزمة أوسع

 

استمرار هذا النهج ينذر بتداعيات اجتماعية وسياسية تتجاوز الإضرابات القطاعية، وتهدد الاستقرار الاجتماعي في مناطق صناعية كاملة، وتُضعف الثقة في مؤسسات الدولة، بل وتمس مفهوم الأمن الغذائي ذاته.

خبراء يحذرون من أن قمع المطالب العمالية أو تجاهلها لا يؤدي إلى إنهائها، بل يدفعها إلى الظهور في أشكال أكثر حدة، ويعمّق الفجوة بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع.

 

في ظل هذه المعادلة المختلة، تبدو مصر مقبلة على صفيح عمالي ساخن، ما لم يُعاد تعريف دور الدولة كضامن للعدالة الاجتماعية، لا كطرف منحاز في صراع غير متكافئ.