الدوبامين ناقل عصبي وهرمون، يلعب دورًا محوريًا في نظام المكافأة والمتعة في الدماغ، فهو يُساهم في تنظيم المزاج والتحفيز والحركة والتعلٌّم، ويُفرز عند الشعور بالمتعة أو الرضا، كما يؤثر على أجزاء من الجسم، بما فيها الأوعية الدموية ووظائف القلب.

 

ويمنحنا تصفح مواقع التواصل الاجتماعي واستخدام الهواتف الذكية، جرعات فورية من الدوبامين، إلا أن الإفراط في ذلك قد يؤدي إلى استنزاف الدوبامين، مما يجعلنا نشعر بالإرهاق والانفصال عن العالم الحقيقي. 

 

الإفراز المتزايد للدوبامين


وحذر عالم الأعصاب تي جيه باور، المتخصص في تطوير الأبحاث حول تأثير أنماط الحياة العصرية على كيمياء الدماغ والصحة العامة، من الإفراز المتزايد للدوبامين، إذ يقول، إن أدمغتنا التي يعود عمرها إلى 300 ألف عام تتعرض للاستيلاء من قبل عالم التكنولوجيا الذي لم يمضِ على ظهوره سوى بضعة عقود. 

 

ويضيف باور، الذي يجري دراسات حول تأثيرات الدوبامين في جامعة ساوثهامبتون: "إذا كنت تعاني من صعوبة في التركيز، وتجد المهام اليومية مزعجة، وتشعر بأن الحياة أقل متعة وأكثر مللاً وروتينية، فأنت تعاني من إرهاق الدوبامين".

 

ويشير إلى أن معظم الناس يمكنهم الاستفادة من التخلص من السموم الرقمية لتقليل الدوبامين إلى مستوى طبيعي ومتوازن، لافتًا إلى أن "هذه التقنية لم تكن موجودة إلا لبضعة عقود، وليس هناك أي طريقة يمكن لعقولنا أن تواكبها".

 

وتابع: "كان أسلافنا يختبرون بضع نبضات فقط من الدوبامين يوميًا، أما الحياة العصرية فتُنتج المئات منها، مما يُسبب فرط تحفيز الدماغ واستنزاف الحافز. لقد خُلقنا للبقاء على قيد الحياة، وللعمل الجاد، وللتواصل الإنساني الحقيقي، ومع ذلك فقد دُفعنا إلى واقع رقمي لم تكن بنيتنا القديمة مُهيأة للتعامل معه أبدًا- إنه يُعيد برمجة دماغنا بوتيرة أسرع من قدرتنا على مواكبتها".

 

الشاشات تستنزف الدوبامين 

 

ويرى باور أن حياتنا باتت خاضعة لسيطرة الهواتف وأجهزة الكمبيوتر المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي والبث المباشر التي لا تنتهي، مما يؤدي إلى الإفراط في تحفيز نظام الدوبامين لدينا، ويجعل الكثيرين منا يشعرون بالانفصال وفقدان الحافز والإرهاق. 

 

وحذر من "أن الاستخدام المستمر للهواتف والتصوير المنتشر يزيد من الخوف من خوض المخاطر الاجتماعية، مما يُضعف الثقة بالنفس والحافز والقدرة على التكيف".

 

وتابع: علينا أن نتأمل كيف تبدو حياتنا الآن: نستيقظ ونمسك بشاشة صغيرة، ونقضي عشر ساعات ملتصقين بشاشة متوسطة، ثم نؤجل أعمالنا على الشاشة الصغيرة، ثم نسترخي على شاشة كبيرة، وأخيرًا نخلد إلى النوم على الشاشة الصغيرة. هذه هي حياتنا كلها الآن - شاشات تتأرجح طوال اليوم، كل يوم.

 

ويقول باور إن إدمان الدوبامين، على الرغم من أنه يدمر الحافز بصمت، إلا أن الملل ضروري لاستعادة التركيز.

 

التخلص من إدمان الهاتف


واقترح خمس خطوات للتخلص من الإفراط في استخدام الهاتف، على النحو التالي:

 

-ضع هاتفك في غرفة أخرى، واضبط ساعة الإيقاف.

 

-احصل على حمام لبدء عملية تهدئة الدماغ.

 

-قم بعمل بسيط في المنزل؛ مثل وضع الأطباق في غسالة الصحون، أو امسح المطبخ لتهدئة ذهنك أكثر.

 

-الآن أنت مستعد للاسترخاء من خلال نشاط يُشعرك بالسعادة؛ مثل طهي العشاء، أو الدردشة، أو مشاهدة فيلم، أو قراءة كتاب.

 

-ارجع إلى هاتفك وتحقق من الوقت المنقضي، الهدف هو زيادة الوقت الذي تقضيه بعيدًا عن هاتفك تدريجيًا.

 

خطر الإدمان على الإباحية


من جهة أخرى، حذر عالم الأعصاب من خطر الإدمان على الإباحية على الإنترنت، لأنه يقضي على الجاذبية والعلاقات في الحياة الواقعية. 

 

وتُشكّل المواد الإباحية على الإنترنت مصدر قلق بالغ للآباء. ويبلغ متوسط عمر الأطفال الذين يشاهدون المواد الإباحية على الإنترنت 13 عامًا، بل إن بعضهم يصل إليها في المرحلة الابتدائية. 

 

ويؤكد باور دعمه الكامل لقرار الحكومة الأسترالية الشهر الماضي بحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عامًا.

 

ويضيف: "لا يمكن لطفل أن يقضي ست أو سبع ساعات أمام الشاشة دون أن يعاني من مشكلة نفسية ما، سواء أكانت قلقًا أو حزنًا أو حتى اكتئابًا".