تشهد امتحانات صفوف النقل للفصل الدراسي الأول للعام الدراسي 2025 – 2026 حالة غير مسبوقة من الارتباك والفوضى داخل اللجان، بما يعكس فشل وزارة التعليم في ضبط العملية الامتحانية والسيطرة على مسارها. الوقائع المتتابعة، من أسئلة منسوخة حرفيًا من كتب خارجية رغم التعهد الرسمي بالالتزام بكتاب الوزارة، إلى أخطاء مثبتة في أوراق الامتحانات، وصولًا إلى تعطل أجهزة التابلت داخل اللجان، صنعت مشهدًا مرتبكًا أعاد الجدل حول مصداقية السياسات التعليمية المعلنة، وحوّل الامتحان من أداة تقييم إلى مصدر قلق واحتقان اجتماعي.

 

منذ اليوم الأول، فوجئ الطلاب وأولياء الأمور بأن أسئلة الامتحانات لا تمت بصلة حقيقية لمحتوى كتاب المدرسة وكتيبات التقييمات، بل تطابق ما ورد في كتب خارجية بعينها. هذه المفارقة فجّرت غضبًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة أن الوزارة كانت قد شددت سابقًا على أن الامتحانات لن تخرج عن كتاب الوزارة، ودعت الطلاب صراحة إلى عدم الاعتماد على الكتب الخارجية.

 

أولياء الأمور: التزمنا بالتعليمات فكانت الصدمة

 

أولياء الأمور يؤكدون أنهم التزموا بتوجيهات الوزارة بحسن نية. اعتمدوا على كتاب المدرسة وكتيبات التقييمات، وامتنعوا عن شراء الكتب الخارجية، أملًا في تخفيف الأعباء المالية، وفي أن تكون منظومة التعليم الجديدة اختبارًا حقيقيًا للعدالة وتكافؤ الفرص. لكن الصدمة كانت قاسية مع بداية الامتحانات، حين ظهرت أسئلة مطابقة لفظًا ومعنى لما ورد في كتب خارجية داخل لجان امتحانية بعدة مدارس.

 

هذا التطابق، بحسب خبراء التربية، لا يمكن تفسيره بالصدفة. فهو يطرح تساؤلات مباشرة حول آلية وضع الأسئلة، ودور المستشارين والموجهين، ومدى التزام الإدارات التعليمية بالتعليمات المركزية. أولياء الأمور يرون أن ما جرى يضرب مبدأ العدالة في الصميم؛ فالطالب الذي التزم بكتاب الوزارة وجد نفسه في موقف أضعف من طالب اعتمد على كتاب خارجي بعينه، ما أعاد فرض منطق السوق على حساب المنهج الرسمي.

 

المطالبات لم تتوقف عند حد الشكوى، بل امتدت إلى ضرورة توحيد مصادر وضع الأسئلة، والالتزام الصارم بكتاب الوزارة وكتيبات التقييم، ومحاسبة المسؤولين عن هذا الانحراف، لأن الامتحان—وفق رؤية الخبراء—هو لحظة قياس لا يجوز التلاعب بها أو تحويلها إلى أداة ترويج غير مباشر لكتب بعينها.

 

كتب خارجية وأخطاء مثبتة: مصداقية الوزارة على المحك

 

في هذا السياق، كشف الخبير التربوي الدكتور محمد كمال، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، أن عددًا من الإدارات التعليمية جاءت امتحاناتها من كتب خارجية محددة وبشكل حرفي، رغم التصريحات الرسمية المناقضة. هذا الواقع، بحسب كمال، يعني أحد أمرين لا ثالث لهما: إما عجز مستشاري المواد عن تطبيق تعليمات الوزير، أو وجود مصالح مستفيدة من الترويج لكتب خارجية بعينها. وفي الحالتين، فإن مصداقية الوزارة تتعرض لضربة قاصمة.

 

الأزمة لم تتوقف عند الكتب الخارجية. فقد اعترفت إدارة سوهاج التعليمية بوجود أخطاء في امتحان مادة اللغة العربية لعدد من صفوف النقل، تم رصدها أثناء متابعة غرفة العمليات لسير اليوم الأول. ورغم التأكيد على التعامل الفوري مع الأخطاء بما يحقق مصلحة الطلاب، فإن الاعتراف ذاته يكشف هشاشة منظومة المراجعة والاعتماد قبل الطباعة. الإدارة أوضحت أن الامتحانات محل الملاحظات واردة من إدارة تعليمية أخرى بنظام التبادل، وليست من إعداد موجهي المادة بسوهاج، لكن هذا التبرير—وفق خبراء—لا يرفع المسؤولية، بل يوسّع دائرة الخلل.

 

في المقابل، تمسكت الوزارة بنفي ما يُتداول، وزعمت أن جميع الأسئلة جاءت من كتب الوزارة وفق مواصفات الورقة الامتحانية، وأن إدراج أسئلة من خارج المنهج “غير وارد”. غير أن الخبراء يرون أن الوقائع الميدانية الموثقة، واعتراف إدارات تعليمية بوجود أخطاء، تجعل هذا النفي غير مقنع، وتستدعي شفافية أكبر بدل الاكتفاء ببيانات الإنكار.

 

أجهزة التابلت تتعطل والامتحان الإلكتروني يهتز

 

إلى جانب أزمة الأسئلة، برزت مشكلة أجهزة التابلت داخل اللجان. فقد أعلنت مدرسة ثورة الأحرار الثانوية بنات تنويهًا رسميًا بشأن مشكلات متكررة في أجهزة التابلت خلال أول أيام الامتحانات، خاصة لطالبات الصف الثاني الثانوي. المشكلات شملت عدم شحن الأجهزة، وغياب رصيد الإنترنت، واستخدام تطبيقات مثل واتساب وفيسبوك ويوتيوب، فضلًا عن وجود أجهزة مخترقة، بحسب ما أظهرته الصور المتداولة.

 

هذه الوقائع، في نظر خبراء التكنولوجيا التعليمية، تكشف فجوة بين التصور النظري للامتحان الإلكتروني والواقع التطبيقي داخل المدارس. الامتحان الإلكتروني يفترض بنية تحتية مستقرة، وأجهزة مؤمنة، ودعمًا فنيًا حاضرًا. لكن ما يحدث فعليًا هو تحميل الطالب والمدرسة مسؤولية أعطال هيكلية، ثم محاسبة الطالب على نتائج اختبار لم تتوفر له شروطه العادلة.

 

الخبراء يحذرون من أن تكرار هذه الأعطال، بالتزامن مع أخطاء الأسئلة والتناقض في مصادرها، يُنتج حالة فقدان ثقة عامة في المنظومة. فالامتحان، بدل أن يكون أداة قياس موضوعية، يتحول إلى تجربة غير متكافئة، تتفاوت فيها الفرص بين مدرسة وأخرى، وإدارة وأخرى.

 

خلاصة المشهد

 

ما تشهده امتحانات صفوف النقل هذا العام ليس حوادث متفرقة، بل نمط خلل متكامل: تضارب تعليمات، أسئلة من كتب خارجية، أخطاء معترف بها رسميًا، وبنية تكنولوجية غير جاهزة. خبراء التربية يؤكدون أن الإصلاح لا يبدأ بالتصريحات، بل بـحوكمة حقيقية لوضع الامتحانات، ومحاسبة واضحة، واستثمار فعلي في البنية التحتية. دون ذلك، ستبقى الامتحانات ساحة فوضى، ويدفع ثمنها الطلاب وأسرهم، عامًا بعد عام.