رغم التصريحات الحكومية المتكررة عن قوة الشبكة الكهربائية وتطور قدراتها الإنتاجية، لا يزال المواطن المصري يدفع ثمنًا باهظًا من جيبه ومن استقراره المعيشي نتيجة أزمة كهرباء مزمنة، تتجلى في ارتفاع الفواتير، وتخفيف الأحمال، وتراجع جودة الخدمة.

 

وفي قلب هذه الدعاية الرسمية، يعود السد العالي إلى الواجهة بوصفه "رمزًا للإنجاز" و"ركيزة للأمن الطاقي"، بينما تكشف الأرقام والوقائع أن المشكلة أعمق بكثير من مجرد تطوير محطة أو زيادة محدودة في القدرة الإنتاجية.

 

تصريحات وزارة الكهرباء الأخيرة عن أن السد العالي ينتج 2100 ميجاوات سنويًا، مع خطة لرفع القدرة إلى 2400 ميجاوات، قد تبدو مطمئنة على الورق. لكن السؤال الحقيقي: لماذا تستمر أزمة الكهرباء إذن؟ ولماذا يتحمل المواطن وحده كلفة سوء الإدارة؟

 

أرقام رسمية لامعة… وواقع خدمي متراجع

 

تؤكد الحكومة أن السد العالي ينتج نحو 10 مليارات كيلووات/ساعة سنويًا، وأن تطويره سيوفر مئات الملايين من الدولارات ويعزز استقرار الشبكة. لكن هذه الأرقام، رغم صحتها التقنية، تُستخدم سياسيًا كأداة للتجميل الإعلامي أكثر من كونها جزءًا من حل جذري للأزمة.

 

فمصر، بحسب بيانات رسمية نفسها، تمتلك فائضًا نظريًا في إنتاج الكهرباء منذ سنوات، ومع ذلك عاد تخفيف الأحمال بقوة في صيف 2023 و2024، وتواصلت الشكاوى من الانقطاعات غير المعلنة حتى في بعض مناطق 2025. هذا التناقض بين "الفائض المعلن" و"العجز الواقعي" يكشف خللًا بنيويًا في إدارة المنظومة، لا يمكن تغطيته بمؤتمر صحفي أو بيان وزاري.

 

الأزمة لم تعد تقنية بحتة، بل سياسية وإدارية. فحين تتحدث الحكومة عن إنجازات كبرى في قطاع الطاقة، بينما يشعر المواطن بتدهور يومي في الخدمة وارتفاع مستمر في الأسعار، فإن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع تتحول إلى أزمة ثقة حقيقية.

 

السد العالي ليس شماعة لفشل السياسات

 

من الناحية العلمية، يؤكد خبراء الطاقة أن السد العالي لا يمكنه – حتى بعد التطوير – أن يشكل حلًا جذريًا لأزمة الكهرباء. فإنتاج الطاقة الكهرومائية مرتبط بعوامل طبيعية لا يمكن التحكم بها سياسيًا، مثل منسوب المياه، وظروف الجفاف، والتزامات مصر المائية الدولية.

 

الأهم من ذلك أن الطاقة الكهرومائية تمثل نسبة محدودة من إجمالي إنتاج الكهرباء في مصر مقارنة بمحطات الغاز والوقود الأحفوري. وبالتالي، فإن تقديم السد العالي في الإعلام الرسمي بوصفه المنقذ المنتظر ليس سوى محاولة لصرف الأنظار عن فشل أوسع في التخطيط والإدارة.

 

بدلًا من الاعتراف بالمشكلة، تلجأ حكومة السيسي إلى إعادة تدوير رمزية السد العالي سياسيًا، في محاولة لإحياء صورة "الدولة القوية المنجزة"، بينما الواقع يؤكد أن البنية التحتية للشبكة القومية تعاني من فاقد كبير، وأن سياسات التشغيل والتوزيع تعاني من ضعف الكفاءة والشفافية.

 

أزمة كهرباء أم أزمة حكم؟

 

جوهر الأزمة لا يكمن في عدد الميجاوات المنتجة، بل في طريقة إدارة الموارد. فخبراء يشيرون بوضوح إلى أن أسباب الأزمة تشمل:

 

  • سوء إدارة الشبكة القومية
  • ارتفاع الفاقد الفني والتجاري
  • غياب التخطيط طويل المدى
  • تحميل المواطن تكلفة الإخفاق عبر زيادات متتالية في الأسعار
  • الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري رغم الحديث عن التحول للطاقة المتجددة

 

وفي ظل هذه السياسات، أصبح قطاع الكهرباء مثالًا صارخًا على نمط الحكم في عهد السيسي: قرارات مركزية، غياب للمحاسبة، تحميل للأعباء على المواطن، واستخدام الإعلام لتلميع الأداء بدلًا من تصحيحه.

 

حتى مشروع تطوير السد العالي نفسه، الذي يُقدَّم بوصفه إنجازًا كبيرًا، يؤكد متخصصون أنه يهدف أساسًا إلى رفع الكفاءة وإطالة العمر التشغيلي، وليس إلى إحداث طفرة حقيقية في الإنتاج. أي أن أثره سيكون محدودًا، بينما تُستخدم نتائجه سياسيًا في الدعاية الرسمية وكأنها فتح مبين.

 

وأخيرا فإن الكهرباء تكشف ما تحاول السلطة إخفاءه

 

قضية السد العالي وأزمة الكهرباء تكشف بوضوح أن المشكلة في مصر ليست نقص الموارد، بل سوء الحكم. دولة تمتلك الغاز والشمس والرياح والمياه، ومع ذلك يعاني شعبها من انقطاع الخدمة وارتفاع الأسعار، هي دولة تعاني من أزمة إدارة لا أزمة إمكانيات.

 

في عهد السيسي، تحولت ملفات حيوية كالكهرباء من قضايا خدمية إلى أدوات دعاية سياسية، بينما يدفع المواطن الثمن يوميًا. ومع استمرار النهج نفسه: غياب الشفافية، انعدام المحاسبة، وتزييف الواقع بالأرقام، ستبقى أزمة الكهرباء قائمة، حتى لو ارتفعت قدرة السد العالي إلى الضعف.

 

لأن المشكلة لم تكن يومًا في السد… بل في من يدير الدولة كلها.