أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن تراجع معدل التضخم السنوي في مصر إلى 10.3% خلال شهر ديسمبر 2025، مقابل 23.4% في الشهر نفسه من عام 2024، في بيان سارع الإعلام الحكومي إلى تقديمه بوصفه «إنجازًا اقتصاديًا» يعكس نجاح سياسات حكومة الانقلاب في السيطرة على موجة الغلاء.

 

غير أن هذه الأرقام، رغم صحتها الإحصائية، تفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول مدى انعكاسها الفعلي على حياة المواطنين، في ظل استمرار شكاوى الأسر من تآكل الدخول، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة. فالتضخم قد يتراجع حسابيًا، لكن الغلاء ما زال حاضرًا بقوة في الأسواق والبيوت.

 

انخفاضات انتقائية لا تغيّر واقع المائدة

 

بحسب بيان الجهاز، يرجع تراجع التضخم السنوي إلى انخفاض أسعار عدد من المجموعات السلعية، أبرزها:

 

- مجموعة اللحوم والدواجن بنسبة (-1.1%)،

 

- مجموعة الألبان والجبن والبيض بنسبة (-1.2%)،

 

- مجموعة الفاكهة بنسبة (-1.0%)،

 

- مجموعة الخضروات بنسبة (-2.0%)،

 

- مجموعة السكر والأغذية السكرية بنسبة (-0.1%)،

 

- إلى جانب انخفاض الأجهزة المنزلية بنسبة (-0.5%)،

 

- ومعدات الصوت والصورة وتجهيز المعلومات بنسبة (-0.4%).

 

لكن قراءة متأنية تكشف أن هذه الانخفاضات محدودة وهامشية، ولا تمثل تراجعًا حقيقيًا في تكلفة المعيشة، خصوصًا إذا ما قورنت بالقفزات السعرية الضخمة التي شهدتها هذه السلع نفسها خلال السنوات الماضية. فاللحوم، على سبيل المثال، حتى بعد انخفاض (-1.1%)، ما زالت أسعارها تفوق قدرة غالبية الأسر، بعد أن تضاعفت عدة مرات منذ تعويم الجنيه.

 

الأمر ذاته ينطبق على الألبان والجبن والبيض والفاكهة والخضروات، التي شهدت زيادات حادة خلال عامي 2023 و2024، جعلت أي تراجع طفيف في 2025 أقرب إلى تصحيح موسمي لا إلى تحسن هيكلي.

 

ارتفاعات مستمرة تضرب قلب المعيشة

 

في المقابل، تجاهل الخطاب الرسمي التركيز على قائمة طويلة من السلع والخدمات التي ارتفعت أسعارها بالفعل خلال ديسمبر 2025، ومن بينها:

 

- الحبوب والخبز بنسبة (0.1%)،

 

- الزيوت والدهون بنسبة (0.3%)،

 

- البن والشاي والكاكاو بنسبة (0.1%)،

 

- المياه المعدنية والغازية والعصائر الطبيعية بنسبة (0.1%)،

 

- الدخان بنسبة (0.2%)،

 

- الأقمشة بنسبة (1.6%)،

 

- الملابس الجاهزة بنسبة (0.4%)،

 

- الأحذية بنسبة (1.6%).

 

كما ارتفعت تكاليف صيانة وإصلاح المسكن بنسبة (0.5%)، والكهرباء والغاز ومواد الوقود الأخرى بنسبة (1.6%)، وهي زيادات تمس صميم الإنفاق الشهري للأسر. وامتدت الزيادات إلى المفروشات المنزلية (0.6%)، والأدوات المنزلية (1.0%)، وخدمات مرضى العيادات الخارجية (1.0%)، والإنفاق على النقل الخاص (0.4%)، وخدمات النقل (0.1%).

 

هذه الزيادات، مجتمعة، تكشف أن الضغوط المعيشية لم تنحسر، بل أعيد توزيعها على سلع وخدمات أساسية، بينما بقيت الدخول شبه ثابتة، خاصة للموظفين وأصحاب المعاشات.

 

تضخم شهري منخفض.. لكنه لا يُشبع البطون

 

سجل معدل التضخم الشهري لإجمالي الجمهورية ارتفاعًا قدره (0.1%) خلال ديسمبر 2025، بينما سجّل قسم الطعام والمشروبات انخفاضًا شهريًا قدره (-0.8%)، نتيجة تراجع أسعار اللحوم والدواجن، والألبان والجبن والبيض، والفاكهة، والخضروات، والسكر والأغذية السكرية.

 

غير أن هذا الانخفاض الشهري لا يعني بالضرورة تحسنًا في مستوى المعيشة، إذ يأتي بعد شهور طويلة من الارتفاعات المتراكمة. فالمواطن لا يقيس أوضاعه مقارنة بالشهر السابق فقط، بل مقارنة بما كان عليه قبل عامين أو ثلاثة، وهنا تظهر الفجوة الهائلة بين الأرقام الرسمية والشعور العام.

 

أرقام بلا سياسات اجتماعية

 

المشكلة الأساسية لا تكمن في بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بل في استخدام حكومة الانقلاب لهذه الأرقام كأداة دعائية، دون الاعتراف بأن تراجع التضخم لا يعني بالضرورة تحسن الأحوال، خاصة في اقتصاد يعاني من ضعف الإنتاج، وتراجع الأجور الحقيقية، واعتماد مفرط على الاستيراد.

 

ففي غياب سياسات حقيقية لرفع الدخول، وضبط الأسواق، ودعم الفئات الأكثر تضررًا، تتحول أرقام التضخم المنخفضة إلى إنجاز شكلي لا يشعر به المواطن في طعامه أو علاجه أو فواتير مسكنه.

 

وبينما تحتفل الحكومة بانخفاض التضخم إلى 10.3%، يظل السؤال معلقًا:

 

ماذا يفعل المواطن بهذا الرقم، إذا كانت حياته اليومية ما زالت محكومة بالغلاء والضغط والعجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية؟

 

هكذا يتأكد أن الأزمة في مصر ليست أزمة أرقام، بل أزمة سياسات، وأن التضخم قد يتراجع في الجداول، لكنه لم يتراجع بعد في حياة الناس.