رغم أكاذيب النظام الانقلابي بقيادة عبد الفتاح السيسي عن تحقيق إنجازات «تاريخية»، تكشف أحلام المصريين البسيطة في العام 2026 عن عمق الانهيار الذي تعيشه البلاد تحت حكمه. فالمواطن لم يعد يحلم برفاهية أو تقدم، بل يطالب فقط بتوفير الأساسيات: طعام بأثمان مناسبة، مدارس محترمة لأولاده، مستشفى حكومي يمكن أن يلجأ إليه دون إهانة، وشارع آمن يستطيع أن يسير فيه دون خوف من بلطجي أو سائق ميكروباص متهور.

 

هذه المطالب التي كان تحقيقها بديهية في أي دولة تحترم مواطنيها، صارت اليوم أمنيات مؤجلة في ظل نظام يبدد المليارات على المشروعات الشكلية ويترك المواطن فريسة للفقر والفوضى وانعدام التنظيم.

 

1. التعليم بين الانحدار والخصخصة

 

تتجلى كارثة التعليم في مصر اليوم في مدارس حكومية متهالكة ومدرسين محبطين ومناهج تجاوزها الزمن. أحمد عبد الحميد، والد لطفلين في المرحلة الابتدائية، يقول إنه يحلم بمدرسة حكومية محترمة لا تجبره على الإنفاق في الدروس أو المدارس الخاصة. أما فايزة عوض، أم وموظفة، فتشكو من المدارس الخاصة التي تحولت إلى مؤسسات جباية بلا رقابة، مطالبة بوضع حد لجشعها كي لا يصبح التعليم «سلعة للأغنياء فقط».

 

الدكتورة عالية المهدي، العميدة السابقة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، تؤكد أن تدهور جودة التعليم في مصر يعكس أزمة رؤية لدى النظام. وتقول: "الإنفاق الفعلي على التعليم أقل بكثير من النسب المعلنة، ويذهب معظمه إلى البنية الشكلية دون تطوير حقيقي للمحتوى أو تأهيل المعلمين." وترى المهدي أن النظام الانقلابي تعمد تفريغ التعليم العام لصالح مدارس رجال الأعمال واحتكار القطاع الخاص له، مما يعمّق التفاوت الطبقي ويقضي على مبدأ تكافؤ الفرص.

 

في السياق ذاته، تطالب المعلمة ليلى فؤاد بإعادة هيبة المعلم ورفع رواتبه وتوفير بيئة عمل حقيقية بدل السياسات التي أهانت المربين وأفقدتهم الدافع، مشيرة إلى أن "احترام المعلم هو أول طريق إصلاح التعليم، أما السياسات القائمة فتهدم ما تبقى من منظومة تربوية".

 

2. انهيار المنظومة الصحية وعذاب المستشفيات

 

أقسام الطوارئ في المستشفيات الحكومية تحولت إلى مشاهد يومية للذل والانتظار واللامبالاة. سعاد إبراهيم تقول إن زيارتها لأي مستشفى حكومي أصبحت مغامرة خطرة، فالانتظار قاتل، والتنظيم غائب، والأجهزة الطبية معطلة. ويضيف المواطن عادل مصطفى أنه يضطر للذهاب إلى العيادات الخاصة لعمل أشعة أو تحاليل بسيطة بسبب تعطل الأجهزة، مما يستنزف دخله المحدود.

 

الدكتورة سالي صلاح، خبيرة السياسات الصحية، تصف وضع المستشفيات بالإهمال المنظم. تقول: "الدولة تخلت فعليًا عن مسؤوليتها في توفير خدمة طبية عامة، وتعتمد على القطاع الخاص لتغطية العجز، رغم أن 70% من المصريين لا يملكون القدرة على تحمّل كلفته." وتضيف أن العدالة الصحية غائبة بالكامل، حيث يتم تحويل الموارد إلى مشروعات استعراضية مثل «المستشفيات المركزية النموذجية» لأغراض الدعاية السياسية، بينما تترك المستشفيات القديمة تنزف بلا صيانة أو تمويل كافٍ.

 

أما الممرضة منى سعيد فتشير إلى بعد آخر للأزمة، قائلة إن غياب التدريب الإنساني جعل العلاقة بين الطاقم الطبي والمريض مشوبة بالتوتر وافتقاد الثقة. وتضيف: "المريض يشعر أن الطبيب يتعامل معه كرقم، لا كإنسان، وهذا يضاعف المعاناة ويعمق الفجوة بين الطرفين."

 

وبينما تتباهى السلطة بتصريحات عن "تطوير قطاع الصحة"، يعيش المواطن ما يمكن وصفه بأنه طبقية علاجية مقيتة، يتحدد فيها مستوى الرعاية بناءً على مستوى الدخل لا على الحالة المرضية.

 

3. الشوارع.. فوضى مزمنة بلا دولة

 

على الأرض، يواجه المصريون فوضى يومية تقتل فيهم الإحساس بالأمان والانضباط. أميرة حسن، من سكان شارع فيصل، تؤكد أن التكاتك والميكروباصات أصبحت "سلطة موازية" تتحكم في الشوارع دون رقابة. ويضيف أحمد جمال، شاب يعمل في توصيل الطلبات، أن السائقين يضاعفون الأجرة بلا مبرر ويقطعون الطريق في منتصفه لفرض أتاوات على الركاب، ما جعل حياة الناس معرضة للخطر المستمر.

 

أما نجلاء سعيد فتلفت إلى أن غياب الإنارة في الشوارع الجانبية يزيد من معدلات السرقة والتحرش، قائلة: "الظلام في حد ذاته أصبح مصدر خوف يومي للسكان."

 

الخبير الاقتصادي سالي صلاح ترى أن هذه الفوضى ليست مجرد نتيجة للإهمال المحلي، بل انعكاس لانهيار البنية المؤسسية داخل الدولة. وتقول: "حين يتآكل جهاز الدولة وتفقد القوانين احترامها، تصبح الفوضى هي النظام الفعلي. الحكومة الحالية لا تمارس ضبطًا مدنيًا حقيقيًا، بل تكتفي بالشو الإعلامي وحملات آنية سرعان ما تنتهي."

 

ويؤكد هشام فؤاد، صاحب محل تجاري، أن غياب النظام في الشوارع يضر حتى بالاقتصاد الصغير قائلاً: "حركة التجارة تتعطل والزبائن تخاف من الخروج، والمحال تخسر بسبب الزحام وانعدام الأمان."

 

وتوضح عالية المهدي أن هذه الفوضى تمثل نتاجًا مباشرًا لانحراف الأولويات الاقتصادية، إذ يجري ضخ المليارات في مشاريع ترفيهية بينما تتآكل الخدمات الأساسية وموازنات المحليات. وتشير إلى أن الأمن المجتمعي لا يتحقق بالعسكرة ولا بالقبضة الأمنية، بل بحكم القانون وتوزيع عادل للموارد.

 

وأخيرا ففي عام 2026، تتلخص أحلام المصريين في مطالب كان من المفترض أن تكون حقوقًا أصيلة: تعليم راقٍ، علاج محترم، شارع منظم. لكن تحت حكم السيسي، صارت هذه الأمنيات ضربًا من الخيال. وبينما يواصل النظام الحديث عن "الجمهورية الجديدة"، يعيش الشعب في جمهورية الإفقار والفوضى، يطارد القوت، ويكافح للبقاء، فيما تُبنى القصور وتُهدم إنسانية المواطن على أبواب المدارس والمستشفيات والشوارع المظلمة.