مع الساعات الأخيرة من عام 2025، أُسدل الستار على مرحلة المجموعات من النسخة الاستثنائية لكأس الأمم الأفريقية المقامة في المغرب، نسخة وُصفت على نطاق واسع بأنها “الأكثر أوروبية” في تاريخ البطولة.

 

أجواء شتوية، سماء ملبدة بالغيوم، أمطار كثيفة، وملاعب عالمية حافظت على جودة عشبها وامتلأت بالجماهير، لتمنح البطولة طابع السهرات الأوروبية المعتادة في هذا الوقت من العام، بعيدًا عن الصورة الاستوائية التقليدية لـ“الماما أفريكا”، لكن من دون أن تفقد روحها الثقافية، سواء في أساليب التشجيع أو الرقص المتواصل للجماهير مهما كانت النتيجة.

 

نسخة مختلفة… وإيقاع أعلى

 

هذا المناخ، إلى جانب جودة الملاعب والتنظيم، انعكس إيجابًا على الإيقاع الفني للبطولة، وسمح للنجوم المحترفين في كبرى الدوريات الأوروبية بتقديم أفضل ما لديهم. ونتيجة لذلك، تراجعت بشكل ملحوظ ظاهرة “المفاجآت” التي لطالما ميزت كأس أفريقيا، وظهرت الأريحية في تأهل معظم المنتخبات الكبيرة وأصحاب التاريخ الثقيل إلى الأدوار الإقصائية، على عكس ما شهدته نسخة كوت ديفوار 2023، التي ودعت خلالها منتخبات بحجم الجزائر وتونس والمغرب ومصر بشكل مبكر وصادم.

 

المغرب… صاحب الأرض وفارس التوقعات

 

في مقدمة المرشحين، يبرز المنتخب المغربي بقيادة وليد الركراكي، الذي تجاوز ضغوط البداية وأدار مرحلة المجموعات بذكاء. ورغم الانتقادات التي لاحقته بعد تعادل مالي والأداء “الاقتصادي” أمام جزر القمر، فإن الانتصار المقنع على زامبيا بثلاثية نظيفة أعاد الثقة للجماهير. تألق إبراهيم دياز كصانع ألعاب وقائد ميداني، وسجل أيوب الكعبي أهدافًا حاسمة، ليؤكد أن الأسود يمتلكون قوة هجومية قادرة على الحسم في أي لحظة.

 

تحسن الضغط الجماعي، وعودة عز الدين أوناحي إلى مستواه، وإضافة نائل العيناوي في الوسط، ومنتظر عودة أشرف حكيمي بكامل جاهزيته، كلها عوامل تعزز حظوظ المغرب. ويبقى التحدي الحقيقي في ضبط المنظومة الدفاعية، خصوصًا الشريك الأنسب لنايف أكرد. وإذا نجح الركراكي في حل هذه المعضلة، فطريق النهائي يبدو ممهدًا أمام أصحاب الأرض.

 

الفراعنة.. شخصية البطولات لا تموت

                                         

المنتخب المصري عاد ليؤكد أنه رقم صعب في كأس الأمم الأفريقية، مهما اختلفت الأجيال. بقيادة حسام حسن من على الخطوط ومحمد صلاح داخل الملعب، قدم الفراعنة أداءً تجاوز توقعات أكثر المتفائلين. ريمونتادا زيمبابوي، والانتصار المعنوي أمام جنوب أفريقيا، ثم التأهل المبكر، كلها أعادت للأذهان شخصية المنتخب المصري في البطولات القارية.

 

الروح القتالية، واستعادة ثقافة الفوز المتوارثة منذ جيل الحضري وأبو تريكة، تمنح مصر أفضلية معنوية واضحة في الأدوار الإقصائية. لكن الطريق لن يكون مفروشًا بالورود، بداية من مواجهة بنين العنيدة، ثم احتمالات صدام ثقيل مع كوت ديفوار أو بوركينا فاسو، وصولًا إلى نصف نهائي قد يحمل اختبارًا من العيار الثقيل.

 

الجزائر والسنغال.. طريق معقد وطموح كبير

 

المنتخب الجزائري يظل من حيث الجودة والتنظيم أحد أبرز المرشحين للقب. رياض محرز يقدم خبرته كاملة، وإبراهيم مازا يثبت نفسه كأحد اكتشافات البطولة، فيما أعاد المدرب فلاديمير بيتكوفيتش الهيبة لمحاربي الصحراء بعد خيبات النسخ الماضية. غير أن الإصابات وطريق الإقصائيات الصعب، بدءًا من الكونغو الديمقراطية واحتمال مواجهة نيجيريا، يجعلان مهمة الجزائر شديدة التعقيد.

 

أما السنغال، فتدخل الأدوار الإقصائية بكتيبة هجومية مرعبة بقيادة ساديو ماني ونيكولاس جاكسون، باحثة عن لقب ثانٍ يؤكد أن التتويج السابق لم يكن صدفة، رغم أن مستواها لم يبلغ بعد ذروته القصوى.

 

سيناريوهات مفتوحة وحلم عربي

 

إلى جانب هؤلاء، تبقى كوت ديفوار، وتونس، وبدرجة أقل منتخبات أخرى، قادرة على قلب الموازين في مباريات خروج المغلوب. ومع ذلك، فإن تتويج منتخب من خارج دائرة الكبار سيُعد مفاجأة مدوية في نسخة اتسمت بالمنطقية حتى الآن.

 

الحلم العربي الأكبر يظل في رؤية مربع ذهبي عربي خالص، يجمع المغرب والجزائر من جهة، ومصر مع تونس أو السودان من جهة أخرى. سيناريو يبدو صعبًا لكنه غير مستحيل في بطولة لا تعترف إلا بمن ينجح في افتراس خصومه مباراة بعد أخرى. ومع اقتراب صافرة الأدوار الحاسمة، يبقى السؤال مفتوحًا: من سيعانق الكأس يوم 18 يناير؟ الأيام وحدها ستجيب.