لم تكن جولة الإعادة في دائرتي العمرانية وبولاق الدكرور مجرد خروقات انتخابية عابرة، بل كانت مرآة صادقة لمنظومة سياسية بلا شرعية، تعتمد على السمسرة والمال العام لشراء ولاءات موهومة، وتستبدل الإرادة الشعبية بمزادات علنية للأصوات. فما جرى في شوارع الجيزة ليس تلاعباً انتخابياً بل هو الانقلاب نفسه على مفهوم المواطنة، يتجسد في سيارات الأجرة والميكروباصات التي حولت الديمقراطية إلى سلعة رخيصة.

 

بورصة العمرانية: سوق سوداء للشرعية المزيفة

 

في دائرة العمرانية والطالبية، تحولت المدارس الانتخابية إلى أسواق مفتوحة للمتاجرة بالأصوات. رصدت "المنصة" سماسرة يوزعون 200 جنيه للناخب و100 أخرى للوسيط، في مشهد يكشف عن تسعية رسمية للفساد. السعر المتفق عليه -250 جنيهاً- ليس مجرد رشوة، بل هو قيمة المواطن في حسابات النظام، حيث يُختزل صوته إلى أقل من ثمن وجبة غداء.

 

المرشحون الأربعة، بمن فيهم أمين شباب حزب "حماة وطن" ونائب سابق بـ"مستقبل وطن"، لم يتنافسوا على برامج أو مشروعات، بل على من يقدم سعراً أعلى للصوت. حتى القبض على سماسرة من مباحث الأمن لم يكن لوقف الفساد، بل لتنظيمه، حيث اقتصر الأمر على تحرير مخالفات مرورية، كأن المشكلة في السيارات وليس في الجريمة السياسية التي تمارس علناً.

 

بولاق الدكرور: الميكروباصات تنتخب نيابة عن الشعب

 

في بولاق الدكرور، كانت الميكروباصات والتوكتوك هي الناخب الحقيقي. حملت أوراقاً بيضاء بأرقام مجهولة وعبارات "كفر طهرمس تنتخب ابن البلد"، لكن الحقيقة أن "ابن البلد" لم يعد يملك قراره. فالمئات الذين جُمعوا لم يكونوا ناخبين بل بضائع بشرية، يُجمعون في نقاط تجميع، ويُسجلون في كشوف ملونة تحمل رمز الكتاب.

 

المشادات الكلامية بين مندوبي المرشحين لم تكن خلافاً سياسياً، بل صراعاً على تقسيم غنيمة المقعد الوحيد. النساء وكبار السن الذين تصدروا المشهد لم يأتوا بإرادة حرة، بل كأدوات في يد أجهزة الحشد التي حولت الانتخابات إلى عملية توزيع أموال عامة على أتباع النظام.

 

انهيار المسرحية: عندما يفضح الفساد نفسه

 

ما يجري في الجيزة ليس مجرد تجاوزات، بل هو انهيار تام للشرعية. فالنظام الذي ألغى 68.5% من دوائر المرحلة الأولى بقرارات قضائية، يعيد إنتاج نفس المخالفات بدقة أكبر. الهيئة الوطنية للانتخابات التي اعترفت بشكاوى شراء الأصوات، تكتفي بالرصد دون محاسبة، لتصبح شريكاً في الجريمة.

 

الأموال التي تُدفع للناخبين ليست من جيوب المرشحين، بل هي أموال الدولة التي يُستغل جزء منها لشراء ولاءات وهمية. فالمرشحون أدوات في يد أجهزة أمنية تدير المسرحية الانتخابية منذ 2014، لتقديم برلمان موالٍ لا يملك أي سلطة حقيقية، بل يصادق على كل ما يُملى عليه.

 

النتيجة الحتمية أن مصر لا تملك برلماناً منتخباً، بل تمتلك سوقاً سوداء للأصوات، يديرها سماسرة السلطة، ويمولها دافعو الضرائب، ويشرف عليه أمن الدولة. فالانقلاب لم يكن يوماً على صندوق الاقتراع فحسب، بل على مفهوم المواطنة نفسه، وتحويل الشعب من مصدر للسيادة إلى سلعة رخيصة في سوق السلطة السوداء.