تحوّل مبنى وزارة الداخلية القديم في لاظوغلي من رمزٍ للقمع والتعذيب إلى مشروعٍ فندقي عالمي تحت إدارة ماريوت ليس مجرد خطوة استثمارية؛ بل حدث سياسي ودلالي بالغ الحساسية. فالمكان الذي كان لعقود يُعرف في الوعي الجمعي المصري باسم “بيت الرعب” أو “سلخانة لاظوغلي”، يجري اليوم تحويله إلى فندق من فئة خمس نجوم ومول ومكاتب فاخرة في إطار خطة الصندوق السيادي المصري لإعادة استغلال الأصول العامة.
لكنّ إعادة استخدام المكان لا تمحو تاريخه. إذ ما زالت جدرانه في الذاكرة الشعبية شاهدة على صرخات المعتقلين السياسيين وتعذيب المعارضين التي وثقتها منظمات حقوقية ومحامون وناجون. ولذلك، يعتبر كثيرون أن تحويل المبنى إلى مشروع ترفيهي نوع من التجميل الرسمي لماضٍ دموي بدل الاعتراف به أو تحويله إلى متحف للذاكرة كما يحدث في الدول التي واجهت ماضيها بشجاعة.
"مرحبًا بكم في فندق سلخانة لاظوغلي".. السخرية كسلاح ضد النسيان
فور الإعلان عن المشروع، امتلأت مواقع التواصل بالتهكم والغضب. سخر حساب "الثوري المصري" عبر منصة إكس من المفارقة بقوله: "لن تكون نزيلًا عاديًا، بل نزيل غرف كانت أفظع زنازين"،
في إشارة إلى التناقض بين الإعلان عن فندق خمس نجوم وبين تاريخه المظلم كأحد أشهر مواقع التعذيب في مصر.
أما حساب @ERC_egy فكتب بنبرة أكثر قسوة: "مرحبا بكم في فندق @MoxyHotels .. نتمنى لك نوماً هادئاً في غرف شهدت لعقود صرخات المظلومين وأنينًا لا ينقطع، حيث نزف الدم، وتقطع اللحم وسارت الكهرباء في أجساد المعتقلين، واغتصب الرجال والنساء. يا له من استثمار رائع، لكنه لن يمحو تاريخ سلخانة لاظوغلي أو ألكاتراز مصر أو وراء الشمس أو بيت الرعب."
مرحبا بكم في فندق @MoxyHotels. أنت لن تكون نزيل عادي، بل ستكون نزيل غرف كانت أفظع زنازين عرفتها مصر، نتمنى لك نوماً هادئاً في غرف شهدت لعقود صرخات المظلومين وأنين لا ينقطع، حيث نزف الدم، وتقطع اللحم وسارت الكهرباء في أجساد المعتقلين، واغتصب الرجال والنساء. يا له من استثمار رائع،… pic.twitter.com/8UfgTtcj9v
— المجلس الثوري المصري (@ERC_egy) December 28, 2025
هذه اللغة الساخرة ليست دعابة سياسية بقدر ما هي صرخة غضب ضد محاولات مسح الذاكرة. فالمكان الذي ارتبط بمشاهد الاعتقالات المروعة ومكاتب "أمن الدولة" وصرير أدوات التعذيب، لا يمكن تلميعه بإضاءة فندقية جديدة أو شعار لمجموعة عالمية. التهكم الإلكتروني تحول إلى فعل مقاومة رمزية يعيد التأكيد على أن الذاكرة الجمعية أقوى من محاولات الإنكار الرسمي.
من مبنى أمني إلى مشروع استثماري
وفق خطة الصندوق السيادي المصري، يجري تطوير المقر السابق لوزارة الداخلية في وسط القاهرة بواسطة شركة ريلاينس لتطوير المشروعات العقارية بالتعاون مع الصندوق، ليصبح فندقًا عالميًا تحت إدارة ماريوت (Moxy Hotels) يضم 364 غرفة فندقية، إضافة إلى مكاتب إدارية ومتاجر بمساحة 20 ألف متر مربع، ومناطق ترفيهية وثقافية. ومن المقرر، بحسب الحكومة، الانتهاء من المشروع في النصف الأول من عام 2027.
يُقدَّم المشروع رسميًا باعتباره نموذجًا لتحويل الأصول الحكومية غير المستغلة إلى مشروعات مولدة للعائدات. لكن اقتصاديين وناشطين يرون أن الدافع الحقيقي مزدوج: من جهة تعظيم الإيرادات في ظل أزمة الديون المتفاقمة، ومن جهة محاولة تغليف مراكز القمع السابقة بطابع استثماري لتغيير صورتها العامة.
في السياق ذاته، يصف مراقبون المشروع بأنه جزء من حملة أوسع لإعادة توظيف رموز الدولة الأمنية كعناوين تجارية مربحة، تمامًا كما جرى نقل مقرات أمن الدولة أو مباني الوزارات إلى العاصمة الإدارية الجديدة. فبينما يُسوِّق النظام للمشروع باعتباره “استغلالًا أمثل للأصول”، يراه كثيرون إعادة كتابة انتقائية للتاريخ الوطني تُقصي ذاكرة القهر لصالح رواية رسمية براقة تتحدث عن التنمية والاستثمار والحداثة.
بين الذاكرة والإنكار: ما الذي كان يجب أن يحدث؟
يُجمع ناشطون حقوقيون على أن تحويل المبنى إلى فندق فاخر يعبّر عن فشل الدولة في مواجهة تاريخها القمعي. ففي دول مثل جنوب إفريقيا وتشيلي وألمانيا الشرقية، تحولت معتقلات الأمن السياسي السابقة إلى متاحف للذاكرة تُدرّس للأجيال الجديدة معنى الكرامة الإنسانية وخطورة الاستبداد.
بينما في مصر، يُعاد توظيف المكان ذاته كواجهة سياحية ترفيهية، لتصبح غرفة التعذيب السابقة جناحًا فندقيًا بإطلالة على وسط القاهرة، في تجاهل تام لمئات الشهادات التي وثقتها منظمات مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية.
نشطاء يرون أن التحول إلى مشروع تجاري “ليس مصالحة مع الماضي بل تبييض له”. فإرث القمع لا يُمحى بالدهان المعماري بل بالاعتراف الرسمي والعدالة الانتقالية وفتح الملفات المغلقة. والذاكرة الجمعية — كما كتب أحد المعلقين — “أقوى من الجرافات وأعند من الخرسانة”.
المبنى الذي يُسوَّق اليوم كـ"تحفة معمارية" كان لعقود مسرحًا لانتهاكات لا حصر لها؛ قصص اقتلاع أظافر، وصعق كهربائي، واعتداءات جنسية، واختفاء قسري، كلها ملفات لم تُفتح حتى اليوم. ولهذا، فإن تغييبها لا يعني نسيانها، بل إهانة جديدة للضحايا وأهاليهم.
يبقى السؤال الأخلاقي الأعمق: هل يمكن الاستثمار في مكانٍ لم يُطهّر بعد من ذاكرة الدم؟ وهل يحق لمن تسبّب في تحويله إلى "بيت الرعب" أن يقدّمه اليوم كـ"بيت راحة خمس نجوم"؟
الإجابة تتجاوز حدود الاقتصاد، لأن لاظوغلي ليس جدارًا يُعاد طلاؤه، بل ذاكرة ألمٍ وطنية ستظل تلاحق الدولة، مهما غيّرت من شكل المبنى أو اسم الفندق. فبعض الأمكنة ليست مشاريع قابلة للبيع، بل شواهد على ما يجب ألا يتكرر أبدًا.

