في تصعيد لهجي جديد، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «لن يفلت من عواقب ما فعله» في قطاع غزة وعموم فلسطين، واصفًا إياه بـ"الفرعون" ومتوعدًا بأن جرائم الحرب التي ارتكبها «لن تمر دون حساب». جاءت تصريحات أردوغان للصحفيين، الجمعة، عقب أدائه صلاة الجمعة في مسجد علي بن أبي طالب بإسطنبول، لتعكس استمرار الموقف التركي الداعم للقضية الفلسطينية.
التصريحات التركية تأتي في سياق إقليمي ودولي معقد، حيث تواصل إسرائيل انتهاكاتها في غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025. وتسعى تركيا، من خلال هذا الخطاب الحاد، إلى تعزيز مكانتها كقوة إقليمية داعمة للقضايا الإسلامية، مع إرسال رسائل سياسية واضحة للمجتمع الدولي حول ضرورة محاسبة المسؤولين عن الجرائم في غزة.
رسائل سياسية وشعبية: غالاطة تشهد على الدعم التركي
ردًا على سؤال حول الفعالية الحاشدة التي شهدتها إسطنبول دعمًا لفلسطين مع استقبال العام الجديد، وصف أردوغان المشهد الذي شهده جسر غالاطة بأنه «لحظة تاريخية»، مؤكدًا أن هذه الفعالية تثبت أن فلسطين «ليست وحدها». وأضاف أن فلسطين تمثل «قطعة من قلوب الأتراك»، في إشارة إلى العمق الشعبي والتاريخي للقضية الفلسطينية في الوجدان التركي.
التحركات الشعبية في تركيا تعكس نجاح الحكومة في توظيف القضية الفلسطينية لتعزيز شرعيتها الداخلية وحشد الدعم الشعبي. فالمظاهرات الحاشدة والفعاليات الداعمة لغزة لا تقتصر على كونها تعبيرًا عن التضامن الإنساني، بل تمثل أيضًا أداة سياسية تستخدمها القيادة التركية لإظهار قوتها الناعمة في المنطقة وتمايزها عن الأنظمة العربية التي اتهمها أردوغان مرارًا بالتخاذل تجاه القضية الفلسطينية.
شدد الرئيس التركي على أن بلاده «لم تترك غزة أو فلسطين وحدهما منذ بداية الحرب، ولن تتخلى عنهما في المرحلة المقبلة». وأكد أن تركيا والعالم الإسلامي سيواصلان بذل كل الجهود الممكنة لدعم الفلسطينيين وتعزيز وحدة الموقف الإسلامي، مضيفًا: «سندخل عام 2026 بطريقة مختلفة، وما يفعله هذا الفرعون المسمّى نتنياهو لن يمر دون حساب».
الكارثة الإنسانية: أطفال غزة بين الطين والمعاناة
على الصعيد الإنساني، سلط أردوغان الضوء على معاناة الأطفال الفلسطينيين، مؤكدًا أن «آهات المظلومين، صغارًا وكبارًا، ستلاحق نتنياهو». ووصف صور الأطفال الذين يعيشون في خيام وسط الأمطار والطين بأنها «لن تُنسى»، في إشارة إلى الوضع الإنساني الكارثي في قطاع غزة.
كشف الرئيس التركي أن إسرائيل تمنع إدخال منازل مسبقة الصنع كانت تركيا تعتزم إرسالها إلى غزة لتخفيف معاناة السكان، مستدركًا بالقول: «عاجلًا أم آجلًا سنُنقذ هؤلاء المظلومين من هذه المعاناة بإذن الله». هذا المنع الإسرائيلي يعكس استمرار سياسة الحصار والخنق التي تمارسها إسرائيل على القطاع، حتى بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة استمرت نحو عامين، وأسفرت عن أكثر من 71 ألف قتيل، إضافة إلى تدمير نحو 90% من البنية التحتية، وفق تقديرات أممية. وعلى الرغم من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، إلا أن إسرائيل خرقت الاتفاق مئات المرات، ما يثير تساؤلات جدية حول التزامها بالقانون الدولي واحترام الاتفاقيات.
ملفات إقليمية ساخنة: اتصال مرتقب مع ترامب
في تطور دبلوماسي مهم، أعلن أردوغان عن اتصال مرتقب مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الاثنين المقبل، لبحث ملفات عدة، من بينها الحرب في أوكرانيا والأوضاع في فلسطين. هذا الاتصال يكتسب أهمية خاصة في ظل عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وتأثير ذلك على المعادلات الإقليمية والدولية.
أوضح الرئيس التركي أن بلاده تواصل مباحثاتها مع روسيا وأوكرانيا والدول الأوروبية بشأن الأزمة الأوكرانية، مشيرًا إلى مشاركة وزير الخارجية هاكان فيدان في اجتماع دولي بباريس حول هذا الملف. تركيا تحاول أن تلعب دور الوسيط في الأزمة الأوكرانية، مستفيدة من علاقاتها الجيدة نسبيًا مع كل من موسكو وكييف.
الموقف التركي من القضية الفلسطينية يبقى ثابتًا على مستوى الخطاب، لكن الأسئلة تدور حول مدى قدرة أنقرة على ترجمة هذا الموقف إلى خطوات عملية فاعلة على الأرض. فرغم الدعم اللفظي والمساعدات الإنسانية، تظل العلاقات الاقتصادية التركية الإسرائيلية قائمة، وهو ما يثير انتقادات من البعض حول ازدواجية المعايير. مع ذلك، لا يمكن إنكار أن الموقف التركي يمثل صوتًا داعمًا للفلسطينيين في وقت يشهد صمتًا عربيًا ودوليًا مخجلاً تجاه ما يحدث في غزة.

