في مؤشر صادم يكشف عمق الانهيار النفسي الذي يعيشه جيش الاحتلال الإسرائيلي، سجّل عام 2025 أعلى معدل لانتحار الجنود منذ 15 عاماً، حيث أقدم 22 جندياً في الخدمة الفعلية على إنهاء حياتهم، في رقم كارثي لم تشهده إسرائيل منذ عام 2010 الذي سجل آنذاك 28 حالة انتحار.

 

هذا الارتفاع المرعب ليس مجرد إحصائية عابرة، بل هو انعكاس مباشر لحرب الإبادة الوحشية التي شنها الاحتلال على قطاع غزة لأكثر من 15 شهراً متواصلة.

 

الجنود الذين شاركوا في ارتكاب المجازر وقتل الأطفال والنساء وتدمير المنازل فوق رؤوس ساكنيها، عادوا محملين بأشباح ضحاياهم وذكريات جرائمهم التي لا تفارقهم.

 

المفارقة المريرة أن جيش الاحتلال الذي يصف نفسه بـ"الأقوى في المنطقة" ينهار من الداخل، حيث تكشف الأرقام الرسمية أن متوسط حالات الانتحار قفز من 12 حالة سنوياً قبل طوفان الأقصى إلى 21 و22 حالة في عامي 2024 و2025 على التوالي.

 

هذا الانهيار النفسي الجماعي يمتد ليشمل حتى الأطفال والمراهقين الإسرائيليين، حيث ارتفعت محاولات الانتحار بينهم بنسبة 60% خلال العامين الماضيين.

 

22 جندياً ينهون حياتهم: ثمن الإبادة النفسي

 

الأرقام الرسمية التي نشرتها صحيفة "هآرتس" تكشف حجم الكارثة التي يعيشها جيش الاحتلال.

 

من بين الـ22 جندياً الذين انتحروا خلال عام 2025، كان 12 منهم من المجندين النظاميين، و9 من جنود الاحتياط الذين استُدعوا للمشاركة في حرب الإبادة، وجندي واحد من الجنود الدائمين.

 

التحليل الأعمق يكشف أن 12 من المنتحرين كانوا يخدمون في وحدات قتالية، أي أنهم شاركوا مباشرة في العمليات الميدانية وارتكاب المجازر، بينما كان 5 منهم في أدوار دعم قتالي، و5 آخرون في مواقع غير قتالية.

 

الأخطر في هذه المعطيات أن 14 حالة انتحار من أصل 22 وقعت خارج القواعد العسكرية، ما يعني أن هؤلاء الجنود انهاروا نفسياً حتى بعد عودتهم إلى منازلهم ومحاولتهم الهروب من أجواء الحرب.

 

كما يكشف الجيش أن 5 فقط من الجنود المنتحرين كانوا معروفين لدى منظومة الصحة النفسية العسكرية ويتلقون علاجاً، ما يعني أن 17 جندياً انتحروا دون أن تتمكن المنظومة الطبية من رصد حالتهم النفسية المتدهورة.

 

من بين الحالات الصادمة، مشغّل طائرات مسيّرة رفيع المستوى أنهى حياته بعد أن عبّر صراحة عن عجزه عن تحمّل الآثار النفسية العميقة لما قام به في غزة من قصف وقتل عن بُعد.

 

هذه الحالة تكشف أن حتى الجنود الذين لم يشاركوا مباشرة في القتال البري، بل نفذوا ضربات من خلف الشاشات، لم يسلموا من الانهيار النفسي والشعور بالذنب القاتل.

 

قفزة مرعبة منذ طوفان الأقصى: من 12 إلى 22 حالة سنوياً

 

المقارنة بين الأرقام قبل وبعد السابع من أكتوبر 2023 تكشف الصورة الكاملة للكارثة.

 

خلال العقد الذي سبق طوفان الأقصى، كان متوسط حالات الانتحار السنوي في جيش الاحتلال 12 حالة فقط.

 

لكن منذ اندلاع حرب الإبادة، قفزت الأرقام بشكل مخيف: 7 جنود انتحروا في الأشهر الثلاثة الأخيرة من 2023 (من أكتوبر إلى ديسمبر)، ثم 21 جندياً في عام 2024، وصولاً إلى 22 جندياً في 2025. هذا يعني أن عدد المنتحرين تضاعف تقريباً مقارنة بالسنوات العشر السابقة.

 

الحالة الأخيرة المسجلة كانت لجندي شاب من سلاح الهندسة القتالية أنهى حياته يوم الأربعاء الماضي في جنوب فلسطين المحتلة، وهو ما أكمل الرقم الكارثي لعام 2025.

 

الشرطة العسكرية فتحت تحقيقاً شكلياً في الحادثة، لكن النتيجة معروفة سلفاً: جندي آخر لم يتحمل وطأة المشاركة في جرائم حرب ومجازر جماعية.

مسؤولون في جيش الاحتلال يعترفون صراحة بأن عام 2026 قد يكون أسوأ، في ظل تراكم الأعباء النفسية بعد أكثر من عامين من الجرائم المتواصلة.

 

الجيش يستعد لـ"مرحلة ما بعد الحرب" عبر تعزيز برامج الدعم النفسي، لكن هذه البرامج عاجزة تماماً عن معالجة الجذر الحقيقي للمشكلة: المشاركة في إبادة جماعية وارتكاب جرائم حرب موثقة.

 

الأرقام المخفية: 12 جندياً سابقاً انتحروا بعد التسريح

 

الكارثة الحقيقية أكبر بكثير من الأرقام المعلنة.

 

فالإحصائيات الرسمية لجيش الاحتلال لا تشمل الجنود الذين أنهوا حياتهم بعد إنهاء خدمتهم العسكرية، رغم أن انتحارهم كان نتيجة مباشرة لمشاركتهم في حرب الإبادة.

 

مسؤولون في الجيش يقدّرون أن نحو 12 جندياً سابقاً ممن شاركوا في القتال انتحروا بعد تسريحهم، دون أن يعترف بهم رسمياً كضحايا.

 

هذا يعني أن العدد الحقيقي للجنود الذين انتحروا بسبب حرب غزة قد يصل إلى أكثر من 50 حالة منذ أكتوبر 2023.

 

الأخطر أن الانهيار النفسي لا يقتصر على الجنود فقط، بل امتد ليشمل المجتمع الإسرائيلي بأكمله.

 

صحيفة "يديعوت أحرونوت" كشفت عن ارتفاع مرعب بنسبة 60% في عدد الأطفال واليافعين الذين توجهوا إلى المستشفيات بسبب محاولات الانتحار خلال العامين الماضيين.

 

هذا المؤشر يكشف أن الأزمة النفسية أصبحت جماعية وتطال جيلاً كاملاً من الأطفال والشباب الذين يعيشون في مجتمع قائم على الاحتلال والقتل.

 

ما يحدث في صفوف جيش الاحتلال ليس مجرد أزمة نفسية عابرة، بل هو انهيار أخلاقي ووجودي لمنظومة عسكرية مبنية على الجريمة والإرهاب.

 

الجنود الذين شاركوا في قتل أكثر من 50 ألف مدني فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، يعودون محطمين نفسياً، عاجزين عن التعايش مع ذكريات جرائمهم. هذا هو الثمن الحقيقي للإبادة.