أعلنت حركة النهضة التونسية اليوم، الجمعة، أن السلطات الأمنية شنت حملة اعتقالات واسعة طالت العشرات من قياداتها ومناضليها في مختلف أنحاء البلاد، وذلك قبل أسابيع قليلة من الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 6 أكتوبر 2024. تأتي هذه التطورات وسط توتر سياسي متصاعد في تونس، حيث تعيش البلاد منذ أشهر على وقع حملة اعتقالات شملت سياسيين وإعلاميين ونشطاء، من بينهم عدد من قادة النهضة.

حملة اعتقالات جديدة
في بيان صادر عن مكتبها الإعلامي مساء الخميس، أعربت حركة النهضة عن استيائها من الحملة الجديدة التي استهدفت أعضاءها، قائلة: "مرّة أخرى وفي ظرف أيام قليلة، تشنّ السلطة حملة اعتقالات واسعة طالت العشرات من مناضلي حركة النهضة في مختلف جهات البلاد". واعتبرت الحركة أن هذه الاعتقالات تعسفية وظالمة، مطالبة بوقف الملاحقات وإطلاق سراح المعتقلين فوراً.
ورغم إعلان النهضة عن هذه الحملة الواسعة، إلا أن السلطات الأمنية التونسية لم تصدر أي تعليق رسمي بشأن الاعتقالات أو أسبابها حتى اللحظة.

اعتقال 80 عضواً في النهضة
كشف القيادي البارز في حركة النهضة ومستشار رئيسها، رياض الشعيبي، عن تفاصيل إضافية حول حملة الاعتقالات، مشيراً إلى أن الأرقام الرسمية تؤكد اعتقال 80 شخصاً من قيادات الحزب ومناضليه خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة. وأضاف الشعيبي، في تصريح خاص لصحيفة "عربي21"، أن هؤلاء الأشخاص قد أُحيلوا للتحقيق على ذمة قطب مكافحة الإرهاب، حيث بدأت التحقيقات معهم صباح اليوم الجمعة.
وأشار الشعيبي إلى أن المعتقلين يشتركون في كونهم أعضاء في قطاع العدالة الانتقالية داخل النهضة، وجميعهم من السجناء السياسيين السابقين، وغالبيتهم من كبار السن الذين تزيد أعمارهم عن السبعين عاماً. كما عبّر عن استغرابه من توقيت الحملة واتساع نطاقها، مؤكداً أن النهضة ترى فيها محاولة لمواصلة استهداف القوى السياسية قبيل الانتخابات الرئاسية.

تصعيد سياسي قبيل الانتخابات
يأتي التصعيد الأمني ضد حركة النهضة في وقت حساس للغاية، حيث تستعد تونس لتنظيم الانتخابات الرئاسية. وأشار رياض الشعيبي إلى أن هذه الاعتقالات تعد استمرارا لسياسة التصعيد ضد المعارضة السياسية، مؤكداً أن السلطة الحالية تواصل إرسال رسائل سلبية في وقت كان من المفترض أن تسعى إلى المصالحة وتهدئة الأجواء السياسية قبل الانتخابات.
وأعرب الشعيبي عن استنكاره للتعامل القمعي مع النهضة، مشيراً إلى أن العديد من الأطراف داخل تونس وخارجها قد أعربت عن تضامنها مع الحركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأكد أن السلطة الحالية تُقدم على تصعيد خطير، مما يفاقم حالة الاستياء والاحتقان الشعبي.

الدفاع القانوني
أما على الصعيد القانوني، فقد أوضح الشعيبي أن فريقاً من المحامين المتطوعين قد تولى متابعة ملفات المعتقلين، مشيراً إلى أن العديد من المحامين قد تم تكليفهم من قبل عائلات المعتقلين للدفاع عنهم. وتؤكد النهضة أنها ستسعى لمتابعة القضية قانونياً والعمل على الإفراج عن المعتقلين في أسرع وقت.

اعتقالات سابقة وتصعيد مستمر
حملة الاعتقالات الأخيرة ليست الأولى من نوعها، حيث شهدت تونس منذ فبراير 2023 حملة واسعة من التوقيفات شملت سياسيين، قضاة، إعلاميين، ورجال أعمال. وكان من بين المعتقلين عدد من قادة حركة النهضة، بما فيهم رئيس الحركة راشد الغنوشي، وأعضاء بارزون مثل علي العريض، نور الدين البحيري، وسيد الفرجاني.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، أعلنت النهضة أن قوات الأمن اعتقلت عدداً من قياداتها، بينهم عضو المكتب التنفيذي محمد القلوي، والكاتب العام الجهوي للحزب في بن عروس محمد علي بوخاتم.
واعتبرت الحركة أن هذه الاعتقالات تمثل استمرارا لسياسة خنق الأصوات المعارضة، مؤكدة أن الهدف منها هو توتير المناخ السياسي قبل الانتخابات الرئاسية.
وفي 24 يوليو 2023، أصدر القطب القضائي لمكافحة الإرهاب مذكرة اعتقال بحق الأمين العام لحركة النهضة، العجمي الوريمي، دون وجود تهم رسمية واضحة. وقد أثارت هذه الخطوة تساؤلات حول دوافع الحكومة الحقيقية، خاصة مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى النهج القمعي المتبع تجاه المعارضة.

ختاما ؛ تأتي حملة الاعتقالات الجديدة لتعمق الأزمة السياسية في تونس، وسط استعدادات للانتخابات الرئاسية التي من المفترض أن تجري في أجواء ديمقراطية وهادئة. ومع تصاعد التوترات بين الحكومة والمعارضة، يتزايد القلق من أن تؤدي هذه الحملات إلى تقويض الاستقرار السياسي وزيادة الانقسامات في المجتمع التونسي.
ما إذا كانت هذه الإجراءات ستؤثر على نتائج الانتخابات المقبلة أم لا، يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن من المؤكد أن استمرار استهداف القوى السياسية المعارضة سيزيد من حدة الصراع السياسي في البلاد.