يشهد لبنان وإسرائيل تصاعدًا خطيرًا في التوترات العسكرية، مما يثير تساؤلات حول احتمالية اندلاع حرب شاملة بين البلدين. في ظل تصاعد الصراع في غزة، والمخاوف من توسع نطاق المواجهات، يبدو أن جبهة الجنوب اللبناني قد تتحول إلى ساحة صراع جديدة، مما يزيد من احتمالية اندلاع حرب واسعة بين إسرائيل وحزب الله، وهو ما سيكون له تبعات خطيرة على المستويات الإقليمية والدولية.

التوترات العسكرية على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية
على مدى الأشهر الأخيرة، تزايدت الحوادث الحدودية بين إسرائيل وحزب الله، حيث شهدت المناطق الحدودية عدة تبادلات لإطلاق النار والقصف المتبادل. تتهم إسرائيل حزب الله بالتصعيد عمدًا، سواء عبر إرسال طائرات مسيرة أو إطلاق صواريخ قصيرة المدى باتجاه المستوطنات الحدودية. من جانبه، يعتبر حزب الله أن هذه العمليات تأتي ردًا على الاستفزازات الإسرائيلية المتكررة، بما في ذلك الغارات الجوية على مواقع عسكرية تابعة له في سوريا.
في أكتوبر 2024، كانت هناك عدة تقارير عن حشود عسكرية إسرائيلية على الحدود مع لبنان، وتكثيف الطلعات الجوية الإسرائيلية فوق الأراضي اللبنانية. هذا التحرك العسكري جاء في وقت حساس للغاية مع استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، ما أثار القلق من فتح جبهة ثانية في الشمال.

حزب الله وإسرائيل: صراع مستمر
حزب الله، الذي يُعتبر من أقوى الحركات المسلحة في الشرق الأوسط، يتمتع بدعم إيراني واسع ويملك ترسانة صاروخية ضخمة تقدر بعشرات الآلاف من الصواريخ، قادرة على ضرب عمق الأراضي الإسرائيلية. بينما تسعى إسرائيل لاحتواء تهديد حزب الله منذ الحرب التي اندلعت بينهما في صيف 2006، إلا أن الحزب استمر في تعزيز قدراته العسكرية وتوسيع نفوذه الإقليمي، خصوصًا في سوريا.
في المقابل، تُظهر إسرائيل استعدادًا كاملًا لردع أي تهديد من حزب الله، حيث يرى المسؤولون الإسرائيليون أن أي مواجهة جديدة مع الحزب ستكون مختلفة تمامًا عن حرب 2006، وسيتخللها استخدام تكتيكات وأسلحة أكثر تطورًا. ومع ذلك، يدرك الطرفان أن أي صدام مباشر سيكون مكلفًا جدًا، سواء من ناحية الخسائر البشرية أو التدمير الواسع للبنى التحتية.

هل الحرب الشاملة قادمة؟
رغم أن احتمال اندلاع حرب شاملة بين لبنان وإسرائيل لا يزال غير مؤكد، فإن بعض المحللين يشيرون إلى أن الوضع الحالي أشبه بما قبل الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006. آنذاك، شهدت الحدود تصاعدًا في التوترات المشابهة لما يحدث اليوم، حتى تطورت الأحداث إلى حرب استمرت 34 يومًا. ومع ذلك، يبدو أن الطرفين يعلمان جيدًا تبعات أي حرب شاملة في هذا التوقيت الحساس.
من جانب إسرائيل، يظل خيار الحرب محفوفًا بالمخاطر، خاصة في ظل مواجهتها الحالية في غزة. فتح جبهة أخرى في الشمال يعني أن الجيش الإسرائيلي سيكون مشغولًا على أكثر من جبهة، مما يضعف قدرته على السيطرة التامة على أي من الصراعات. إضافة إلى ذلك، تدرك إسرائيل أن أي مواجهة مع حزب الله قد تكون طويلة الأمد ومكلفة جدًا.
أما بالنسبة لحزب الله، ورغم امتلاكه قوة عسكرية هائلة، فإنه يتعرض لضغوط داخلية وخارجية كبيرة. الأوضاع الاقتصادية في لبنان، التي تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، تجعل من الصعب على الحزب تبرير الدخول في حرب شاملة، خاصة وأن الشعب اللبناني يعاني من أزمات اقتصادية وسياسية حادة. إضافة إلى ذلك، فإن التحالفات الدولية والإقليمية للحزب قد لا تكون مستعدة لدعمه في حال انجر إلى صراع جديد مع إسرائيل.

التبعات المحتملة لأي حرب شاملة
إذا اندلعت حرب بين إسرائيل وحزب الله، فإن تبعاتها ستكون كارثية على لبنان وإسرائيل، وكذلك على المنطقة ككل. على المستوى العسكري، ستشهد الحرب استخدام أسلحة متطورة وصواريخ بعيدة المدى من الجانبين، مما سيتسبب في دمار واسع للمناطق السكنية والبنى التحتية، خصوصًا في لبنان الذي لا يزال يعاني من آثار الحروب السابقة.
اقتصاديًا، ستزيد الحرب من تعقيد الأوضاع في لبنان، الذي يعاني بالفعل من انهيار مالي غير مسبوق. أي حرب جديدة ستؤدي إلى نزوح مئات الآلاف من اللبنانيين، وستضع ضغوطًا إضافية على الاقتصاد اللبناني الذي يكاد يكون مشلولًا. بالإضافة إلى ذلك، قد تتسبب الحرب في تعقيد جهود الإغاثة وإعادة الإعمار التي يحتاجها لبنان بشدة.

رغم كل هذه المؤشرات، يبقى السؤال مطروحًا: هل سيتجنب الطرفان الحرب؟ بينما يبدو نتنياهو مصممًا على التصعيد لأسباب سياسية داخلية، فإن بعض الأصوات داخل إسرائيل تحذر من عواقب الحرب الشاملة.
رئيس حكومة الاحتلال الأسبق إيهود باراك وصف الحرب المحتملة بأنها "خطأ استراتيجي"، مشيرًا إلى أنها قد تتحول إلى حرب إقليمية ذات أبعاد كارثية.
في النهاية، ورغم التصعيد الحالي، لا يزال هناك أمل في أن تتمكن الأطراف الدولية، مثل الولايات المتحدة، من التوصل إلى حل دبلوماسي يخفف من حدة التوتر ويجنب المنطقة الدخول في حرب جديدة.