بينما ينتظر ملايين الأميركيين المناظرة التي ستجمع نائبة الرئيس كامالا هاريس ومنافسها الجمهوري دونالد ترامب، تبدو الأجواء هذا العام مختلفة تمامًا. جاءت هذه المناظرة في سياق غير متوقع بعد انسحاب الرئيس الحالي جو بايدن من السباق الرئاسي بسبب أدائه الضعيف في المناظرة الأولى، مما فتح الباب أمام هاريس لتولي زمام الأمور بصفتها مرشحة الحزب الديمقراطي. دخلت هاريس السباق فجأة، وأدت حملتها الانتخابية إلى تغيير ملحوظ في المشهد السياسي. في غضون أسابيع قليلة من دخولها السباق، اكتسبت حملة هاريس زخمًا كبيرًا انعكس بشكل مباشر على نتائج استطلاعات الرأي، حيث أظهرت تقاربًا شديدًا بينها وبين ترامب. وفقًا لتحليلات أجرتها مجلة "إيكونوميست" البريطانية، فإن السباق بات متأرجحًا، حيث أظهرت نماذج قياس استطلاعات الرأي على مستوى الولايات والمستوى الوطني تقاربًا كبيرًا في فرص الفوز بين المرشحين. تعتبر هذه النتائج متسقة مع استطلاعات أخرى، مثل تلك التي أجرتها صحيفة "نيويورك تايمز" بالتعاون مع "سيينا كوليدج"، والتي أشارت إلى أن كلا المرشحين متعادلان تقريبًا مع اقتراب نهاية الحملة الانتخابية. وفي ظل هذا التقارب، يثار التساؤل حول ما إذا كانت المناظرة المرتقبة، التي ستُجرى يوم الثلاثاء، قادرة على إحداث تغيير في نتائج الاستطلاعات. دور المناظرات في الانتخابات الأميركية تُعد المناظرات الرئاسية جزءًا من تقاليد الانتخابات الأميركية منذ عام 1960. ورغم أن الدستور الأميركي لا يفرض إجراء هذه المناظرات، إلا أن المرشحين للرئاسة دأبوا على استغلال المناظرات التلفزيونية كوسيلة لتعزيز فرصهم وإظهار تفوقهم على خصومهم السياسيين. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه دائمًا هو: هل تحدث هذه المناظرات فارقًا فعليًا؟ تشير العديد من التحليلات إلى أن المناظرات الرئاسية قبل عام 2020 لم تكن تحدث تأثيرًا كبيرًا على نتائج الانتخابات. غير أن التغيرات التي طرأت على سلوك المرشحين، خاصة في مناظرة 2020 بين ترامب وبايدن، قلبت الموازين. حيث أصبحت هذه المناظرات أقرب إلى "مباريات في الشتائم" كما وصفتها بعض وسائل الإعلام، أكثر من كونها مواجهات سياسية جادة. ففي مناظرة 2020، تبادل المرشحان الإهانات بشكل مباشر، حيث وصف ترامب بايدن بأنه "غبي"، ورد عليه بايدن بوصفه بـ"المهرج" وطالبه بالصمت. هل تؤثر المناظرة القادمة على السباق؟ في العادة، لا تكون المناظرات عاملًا حاسمًا في تغيير مسار الانتخابات. فالذين يتابعون المناظرات هم عادةً أولئك المهتمون بالسياسة بالفعل. تشير استطلاعات الرأي إلى أن المتابعين هم غالبًا من المؤيدين للأحزاب، وليس من المستقلين أو الناخبين الذين لم يتخذوا قرارهم بعد. بالإضافة إلى ذلك، في أغلب الدورات الانتخابية، يكون المرشحون قد خاضوا حملات انتخابية طويلة وقدموا أنفسهم للناخبين بشكل واضح قبل بدء المناظرات. ولكن هذه الانتخابات مختلفة. فقد دخلت هاريس السباق في وقت متأخر، وهي لم تحصل بعد على فرصة كاملة للتعريف بنفسها للجمهور الواسع. ورغم أنها شخصية معروفة للمهتمين بالشأن السياسي، كونها نائبة الرئيس وسيناتورة سابقة، إلا أن شريحة كبيرة من الأميركيين لم تتعرف عليها بعد بشكل كافٍ. تشير الدراسات، كما ورد في تقرير مجلة "إيكونوميست"، إلى أن المناظرات تكون أكثر تأثيرًا عندما لا يكون لدى الناخبين معرفة مسبقة كافية بالمرشحين. وهنا تأتي أهمية المناظرة بالنسبة لهاريس. إذا تمكنت من تقديم أداء قوي وإظهار مهاراتها السياسية، فإنها قد تستقطب المزيد من الأصوات من الناخبين المترددين أو غير المهتمين. في المقابل، سيحاول ترامب استغلال هذه الفرصة لتعزيز قاعدته الانتخابية والظهور بمظهر المرشح الأكثر قوة وخبرة. فهو يعتمد على أسلوب المواجهة المباشرة وإثارة الجدل، وهو ما أثبت نجاحه في الماضي. خاتما ؛ تظل المناظرة بين ترامب وهاريس حدثًا منتظرًا بشغف، وقد تكون فرصة حاسمة لكلا المرشحين في هذا السباق المحتدم. بينما يترقب الجميع هذه المناظرة، يبقى السؤال مطروحًا: هل ستصنع هذه المواجهة الفارق المطلوب لتغيير مجرى الانتخابات؟ أم أنها ستكون مجرد محطة أخرى في سباق سياسي طويل ومثير؟

