من أشهر صور مذبحة رابعة والتي نشرتها وسائل الإعلام العالمية كانت للشهيد وجيه مخيمر يحتضنه رمضان المنسي حيث نظر للمدرعة ثم أشاح بوجهه بعيداً عنها وكأنه لا يبالي.

واستشهد وجيه أولا ثم تبعه رمضان بعدها بدقائق برصاص العسكر.

ووجيه محمد عبدالحميد مخيمر، 47 عاما مواليد 07/03/1966 من الشرقية، واصابته طلق ناري في ظهره خلف كتفه الأيمن والأخرى خلف الأيسر، وبيت الشهيد وجيه مخيمر بمركز منيا القمح  شهيد مجزرة فض رابعة .

http://fb.me/1IXcxobDM

والصورة لوجيه مخيمر، وهو بين راحتي رمضان المنسي الذي لحقه على درب الشهادة بعدها بدقائق، خلال محاولته حمله بعد استهدافه ليقيه دهس مدرعات الجيش، تعد أحد أشهر الصور التي نشرت من مذبحة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة.

ووجيه من مواليد قرية ميت سهيل في مركز منيا القمح بمحافظة الشرقية في السابع من مارس 1966، كان يعمل في مجال تجارة الحبوب والمحاصيل الزراعية.


كان وجيه مخيمر، متزوجا وأنجب بعد 13 عاما حيث رزق بحنين، التي كانت تبلغ من العمر وقت وفاة أبيها 4 سنوات.


فجر يوم المذبحة، 14 أغسطس 2013، خرج وجيه من ميدان رابعة ليسافر إلى قريته ويتفقد بعض أموره، لكنه حين رأى مدرعات الجيش والشرطة في طريقها إلى الميدان، عاد أدراجه إلى الميدان ليؤازر أصحابه المعتصمين فيه، في محاولة لمنع فضه، وكان الأجل في انتظاره، حيث أصابته رصاصة اخترقت جسده.

وجيه كان بارا بوالديه، ملتمسا رضاهما، وكانت أمه تصفه بالطيب الحنون، ولم يكن يغضب أحدا، يساعد الآخرين، ويدل التائه والضائع ويأخذ الجميع في طريقه، لا يرد سائلا يقصده في شيء.


وتتذكر والدته حين أخبرها بنيته الذهاب إلى اعتصام رابعة، كيف كانت في صراع مع نفسها، ما بين شفقة وخوف فطري ترجمته بأن التمست منه البقاء لتربية ابنته التي انتظرها كثيرا، وعدم معارضة صريحة لرغبته في المشاركة، لكن إرادة الله اقتضت أن يكون أجله في فض الاعتصام، لتنشأ حنين يتيمة الأب.

ووجيه في علاقته بالناس، ساعيا في قضاء حوائج الآخرين دون كلل أو ملل، صاحب قلب طيب، لا يحمل في قلبه بغضا لأي أحد، ويتجاوز عن الإساءة سريعا، ويرى شقيقه في صورته الشهيرة، أسمى معاني سمو النفس والتضحية والفداء وحب الدين والوطن والحرية.

وكان يرى فيها على الجانب الآخر صورة للخسة والنذالة والعمالة والخيانة، مبديا فخره بمصير شقيقه في الدنيا، وأمله في أن يكون شفيعا له في الآخرة.


وشكلت فترة الاعتصام في رابعة مرحلة فارقة في حياة وجيه، حسب شقيقه، حيث صادفت شهر رمضان المبارك وما استلزمه من صيام وقيام، كما شارك في مختلف المسيرات التي تخرج من الميدان، وحضر المشاهد التي سقط فيها عشرات الضحايا، ومنها مذبحة المنصة، حيث سقط أحد شباب بلدته بجواره، وهو عبد المنعم صبحي.

ومن حينها، تعززت لديه أمنية الشهادة أكثر مما كانت عليه، وعندما كان يسأله أحد أصدقائه عن مصير ابنته الوحيدة التي انتظرها بعد سنين طويلة، كان يقول له “لا أخاف على حنين فالجميع يحبها”

يحكي شقيقه عن لحظاته الأخيرة بالميدان، فبعد أن صلى الفجر، يوم المذبحة ركب سيارة أحد الأصدقاء، قاصدا الخروج والعودة المؤقتة إلى بلدته للاطمئنان على والديه وزوجته وابنته، حيث لم يكن قد غادر الميدان من قبل العيد.


وهو في الطريق، شاهد مدرعات الجيش والشرطة وهي في طريقها إلى الميدان للفض، ليقرر العودة، وحين هاتف شقيقه، رجاه ألا يعود، وقال له هناك 7 من الأسرة في الميدان، لكنه أصر وسلم على الجميع سلام المودع، ثم اختفى فبحثت عنه حتى وجدته شهيدًا في قاعة الشهداء بمسجد رابعة.

تجمع حوله أفراد أسرته ممن كانوا في الميدان، وهما 2 من أشقائه وشقيقته، وأبناء إخوته، والأسى والألم يعتصر قلوبهم، وشهدوا إلى جانب ذلك أهوالا شديدة، مما شهده المعتصمون في الميدان، حيث الرصاص المنهمر كالمطر، وقنابل الغاز الحارقة، ومشاهد الجرحى والقتلى حتى خرجوا من الميدان تحت تهديد السلاح.

عادت الأسرة مرة أخرى للمستشفى الميداني لأخذ جثة وجيه، وتم تهديدهم بالقتل إذا لم ينصرفوا، ورفعت في وجوههم الرشاشات من قبل عناصر الشرطة، إلا أنه ومع إصرارهم على استلام جثمان شقيقهم، وعدم اكتراثهم بالتهديد، سمحوا لهم بحمل جثة شقيقهم وجيه وهم مضرجا في دمائه.

حمله أحد أشقائه على ظهره، فيما كانت شقيقته ترفع قدميه حتى استطاعوا الخروج به من الميدان، لتبدأ مراحل أخرى من الأهوال والمصاعب بمستشفى الزهراء ثم المشرحة حتى العودة إلى بلدهم والجنازة.

استقبلت الأسرة نبأ استشهاد وجيه برضا وطمأنينة، وحمدوا الله وأثنوا عليه أن اختار من بينهم شهيدا، ورزقهم السكينة والشعور بالعزة والرفعة باصطفاء “وجيه”، لكن يبدوا أن المصاب كان شديدا على الوالد المكلوم، حيث لحق بولده بعده بأيام قليلة.

استقبلت أسرته وأهل قريته جثمانه بالزغاريد، وكانت جنازته غير مسبوقة، حيث استذكر فيها الجميع مناقبه وأخلاقه وأفعاله، وهتفوا ضد من قتل وسفك دماء المصريين.

لم تنته مآسي آل مخيمر عند هذا الحد، فقد قامت قوات الانقلاب باقتحام منزل الشهيد وجيه مخيمر، وكسرت محتوياته مما دفع اسرته لترك منزلهم، كما قامت باعتقال شقيقه وعدد من أبنائه تنكيلا بهم.


رمضان المنسي.. ضحية رابعة المفقود

ومحتوى وجيه مخيمر وهذا المحتوى عن رمضان منسي نقلته صفحة (قتل في مصر) وقالت رغم كل محاولات البحث عن جثمانه، وعبر كل الوسائل ومنها عمل تحليل DNA، إلا أن كل تلك المحاولات باءت بالفشل، فأسرة بطل قصتنا لم تعثر على ما يرشدها لجثته بعد مقتله في فض اعتصام رابعة، وبات في عداد من اختفت جثامينهم كالعشرات غيره من ضحايا الفض.

رمضان محمد عطية المنسي (48 عاما)، من مواليد قرية البجلات التابعة لمركز منية النصر بمحافظة الدقهلية عام 1965، وكان يعمل موجها للغة الفرنسية، ومعلما للقرآن الكريم بالقرية.

تزوج رمضان من منى حسين، وكانت هي الأخرى تعمل في سلك التربية والتعليم، مدرسة للغة العربية، ولهم 4 أبناء، وجميعهم كان منتسبا للأزهر الشريف، أكبرهم “أسماء” الطالبة بكلية الطب، ثم أحمد وكان طالبا بكلية الهندسة، يليه خالد، طالب بالثانوية الأزهرية، وأخيرا، جهاد والتي كانت بالمرحلة الابتدائية في الأزهر كذلك.

حفظ رمضان القرآن الكريم كاملاً، وارتبط به تلاوة ومدارسة وتعليماً وتحفيظاً، كما كان حريصا على الامتثال لتعاليمه والتخلق بأخلاقه، شهد له كل من عرفه بحسن الخلق والصلاح والتدين، وعرف كذلك بكثرة الصيام النافلة والقيام وذكر الله في يومه وليله.

اتفقت زوجته وأبناؤه على أنه كان متمثلا لخلق النبي في خدمته لأهله، كما كان صديقاً لأبنائه، يحرص على نفعهم وتوجيههم في حب وشفقة لما فيه خيرهم، وقد أتموا حفظ كتاب الله، ومن حرصه على ربطهم بكتابه الله كان يجمعهم على ما أسموه “لقاء الأهل” يتلون خلاله القرآن ويتدارسونه سوياً.

كان له أثر على أصحابه وزملائه، يستذكر صديقه إبراهيم عطا، صوته الشجي في قراءة القرآن، ودوره في توعيته وغيره من خلال محاضرات ودورات، بقيم القرآن وعلومه، مضيفا بأن له “صوت خفيض وحياء بليغ، ودور رائد في تحفيظ معظم أبناء قريته القرآن، كما كان خدوما محبا لوطنه”.

لم يكتف رمضان بإيصال الفكرة والمعلومة عبر تلقينها، بل كان قدوة عملية أمام الجميع، يعمل قبل أن يتكلم، تجده في مقدمة الصفوف، يختار العمل الشاق لنفسه ابتغاء مرضاة الله، حسب شهادة أقرانه، وتتلمذ على يديه معظم الجيل الحالي من مشايخ قريته في تلاوة القرآن الكريم حفظا وترتيلا وتجويدا.

وإضافة إلى ذلك، كان حليما على من يجهل عليه، محبوبا من كل من تعامل معه فهو هين لين متواضع، دمث الخلق، محب لعمله، لا تفارقه الابتسامة.

مما ميزه عن غيره، همه الشديد بالناس ودعوتهم إلى الله، والأخذ بيد المحتاج، ومساعدة الفقراء، والقيام بالواجبات الاجتماعية في الفرح والمواساة وزيارة المرضى وصلة الأرحام.

ورغم كون حاله البسيطة كغيره من أغلب أفراد المجتمع المصري، كان رمضان يتوقف عن إعطاء بعض الدروس الخصوصية لانشغاله بالأعمال المجتمعية والخدمية، حسبة لله، كما كان رفيقا بأولياء الأمور إذا أعطى درسا لأولادهم.

يحكي أحد أولياء الأمور، بأن الأستاذ رمضان أعطى ابنه درساً خصوصياً، فدفع له ثمن الدرس، فإذا به يعيد إليه أكثر من نصف المبلغ ويضعه في جيبيه مصرا على ذلك، فبكى الرجل لأنه يعلم أن الأستاذ رمضان يساعده بذوق وأسلوب رقيق.

يقول في حقه صديقه هاني الإمام، “عرفت رمضان مثالاً طيباً للتواضع والبساطة والهدوء والصدق، أحسبه كذلك ولا أزكيه على الله”، فيما يضيف صديقه إسلام كشكش “كان صاحب ابتسامة إيمانية وكان خيّر وكريم ومؤدب جداً”.

كان رمضان محبا لدينه ووطنه، على قناعة تامة بأن له دور تجاه وطنه والدفاع عنه وحمايته من الفاسدين واللصوص، وكان صاحب وعي سياسي بالمشهد المصري، مدركاً لطبيعة الصراع الدائر، باذلا في سبيل أدائه لدوره بوقته وماله ونفسه.

حين وقع الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو 2013، كان من أوائل من لبوا نداء المشاركة في الاعتصام والتظاهر السلمي، للمطالبة بعودة الشرعية، وفي سبيل ذلك أخذ إجازة من عمله، وشد رحاله إلى ميدان رابعة العدوية، ولازم الاعتصام فيه بشكل كامل لا يخرج إلا للأمر الملح.

وإلى جانب ذلك، كان يحض زوجته وأبناءه على الخروج والمشاركة في المسيرات التي تخرج في محافظتهم المنصورة، ويقول لزوجته وهو يشحذ همتها لإخراج أولادهم “لا تخافي عليهم، فأفضل أن يقال عن ابننا أو ابنتنا شهيد أو شهيدة عن أن يقال دكتور أو مهندس”.

بعد انقضاء شهر رمضان، قال لزوجته إنه قضى هذا العام أجمل رمضان مر عليه في الطاعة والعبادة والتقرب الى الله، وأبدى شكره لله على حسن توفيقه له،

تنقل عنه أن كان راجيا للشهادة في سبيل الله، دائم الدعاء “اللهم ارزقني الشهادة”، وفي ظل تتابع سقوط شهداء والتهديد المتزايد من قبل السلطات عبر وسائل الإعلام بفض الاعتصام بالقوة، زاد تأهبه للشهادة وإعداد نفسه لها.

وفي صباح يوم 14 أغسطس 2013 والمعروف بمذبحة فض اعتصام رابعة والنهضة، كان رمضان في الصفوف الأولى بالميدان ناحية طيبة مول والتي فوجئ المعتصمون فيها بإطلاق الجيش والأمن النار بوحشية غير مسببة ولا متوقعة.

كان رمضان من أوائل شهداء الميدان الذين ارتقوا في السابعة صباح ذلك اليوم. واحترق جثمانه ثم اختفى، ولم تعثر عليه أسرته حتى كتابة هذه السطور.

وبعد الفض، علم أهله بوفاته لما رأوا صورته مقتولاً على إحدى صفحات موقع فيسبوك، وذهبوا للبحث عنه في كل مكان بالقاهرة واستمر البحث 4 أيام، لكنهم لم يعثروا عليه، ثم قاموا بعمل تحليل DNA لعل جثته تكون هي إحدى الجثث المتفحمة، لكن مشرحة زينهم أخبرتهم أنه لا وجود لجثمانه في المشرحة.

لا يعلم أحد حتى الآن تفاصيل مقتل رمضان المنسي، وكيف اختفى جثمانه، إلا أن صورة شهيرة واحدة له توثق لحظاته الأخيرة وهو يحتضن الشهيد وجيه مخيمر، وهناك مدرعة تحاول الاقتراب منه، وقد تم العثور على جثمان وجيه مخيمر، ولكن لم يتم العثور على رمضان المنسي.