نقلت منصة "متصدقش" الاستقصائية عن وائل جمال رئيس وحدة العدالة الاجتماعية والاقتصادية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وأستاذ التمويل والاستثمار د. مدحت نافع على أهمية عدم الوقوع في عدة أخطاء في إدارة ملف "الأموال الساخنة" والذي اعتبراه وراء انخفاض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار إلى أدنى مستوى له منذ التعويم في مارس الماضي، بعدما سجل سعر الدولار في ختام المعاملات متوسط 49.2 جنيه.
واستطلعت منصة @matsda2sh آراء خبراء ومصرفيون سردوا أسبابًا مختلفة لتراجع سعر صرف الجنيه أمام العملات الأخرى، منها ما يتعلق بالأزمات المالية العالمية، والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ومنها ما يتعلق بخروج بعض "الأموال الساخنة"، بحسب بعض التقارير الصحفية، فيما لم يستبعد خبراء اقتصاديين أن طلبات صندوق النقد الدولي بخصوص مرونة سعر الصرف، ربما تكون سببًا وراء ما يحدث.
ما "الأموال الساخنة"؟
وقالت إن "الأموال الساخنة" مصطلح اقتصادي يعني تدفق الأموال الأجنبية لبلد ما للاستفادة من وضعها الاقتصادي، مثل ارتفاع سعر الفائدة أو تدني سعر صرف العملة المحلية، ومشكلتها أنها تعطي تحسنًا مؤقتًا في المؤشرات الاقتصادية، لكنه تحسن غير مستقر لأن أصحابها ينسحبون فورًا حال وجود خطر بالأسواق أو توافر فائدة أعلى.
وأضافت أنه توسعت الحكومة في الاعتماد على "الأموال الساخنة" عقب تحرير سعر الصرف عام 2016. رغم تحذيرات خبراء اقتصاديين من مغبة الاعتماد على هذا النوع الأموال.
ورأت أن الغزو الروسي لأوكرانيا تسبب في خروج 22 مليار دولار من الأموال الساخنة دفعة واحدة من مصر في العام 2022، وكانت هذه بداية الأزمة الاقتصادية التي لا تزال مصر تعيش تبعاتها حتى الآن، بحسب وزير المالية حينها الدكتور محمد معيط.
اعتراف بكارثية ألأموال الساخنة
وأشارت المنصة إلى أن وزير المالية السابق بحكومة السيسي محمد معيط اعترف أكثر من مرة، بأن الاعتماد على هذا النوع من الأموال كان خطأ. على سبيل المثال، في يوليو 2022، قال الوزير في تصريحات لبرنامج "الحكاية": "تعلمنا درس الأموال الساخنة من 3 مرات متتالية في 2018 و2020 و2022. واستراتيجية الدولة الآن أن هذا النوع من الأموال لا يتم الاعتماد عليه مرة أخرى على الإطلاق".
واستدركت أنه "رغم ذلك، عادت الحكومة مجددًا للاعتماد على "الأموال الساخنة" عقب التعويم الأخير للجنيه، ورفع سعر الفائدة بواقع 600 نقطة أساس، حيث وصلت إلى 35.4 مليار دولار في مارس 2024، بحسب تقديرات البنك المركزي".
خروج "الأموال الساخنة"
ورصدت المنصة في يونيو 2024، خروج 4 مليارات دولار من "الأموال الساخنة" من السوق المصري، بحسب مصادر تحدثت إلى صحيفة "المال"، موضحة أن "هناك نوعًا من تردد المستثمرين الأجانب لضخ استثمارات غير مباشرة جديدة نظرًا للأحدات التي يشهدها الإقليم حاليًا".
وأضافت تاليا إلى أنه بالتزامن مع تصاعد الأحداث في الشرق الأوسط، واغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في إيران، إسماعيل هنية خلال تواجده في إيران، والتوترات بين حزب الله والكيان، تخارج نحو 520 مليون دولار من "الأموال الساخنة" يومي الخميس والأحد الماضيين.
وأعتبرت أن تشير تصريحات رئيس أحد البنوك الخاصة المصرية لموقع"بلومبرج الشرق" اليوم، إلى أن خروج بعض "الأموال الساخنة" خلال الفترة الأخيرة، تسبب في رفع سعر الدولار؛ إذ قال: "المستثمر الأجنبي لو عايز يخرج من أدوات الدين المصرية من عينينا الاتنين لكن بسعر جنيه واقعي".
وكجزء من التوضيح نشرت تصريح رئيس البنك الذي لم تذكر اسمه "بلومبرج الشرق"، إذا اشترى المستثمر أذون خزانة قيمتها 47 مليون جنيه بسعر دولار 47، أي دفع مليون دولار، إذا قرر الخروج بالمليون دولار بشكل سريع، وسعر الدولار 45، فيعني ذلك أنه سيخرج بمليون و45 ألف دولار فضلًا عن أرباحه، لكن إذا ارتفع سعر الدولار عن سعره وقتما اشترى أحد أدوات الدين الحكومية وأصبح سعره 49 مثلًا، سيخرج المستثمر بـ 959.2 ألف دولار فقط فضلًا عن أرباحه.
سلبيات كارثية
ونقلت عن الخبير وائل جمال القول: "هو (الاعتماد على الأموال الساخنة) إجراء سلبياته أكثر من فوائده ومن خلال تجاربنا نعلم ذلك، لكن يمكن أثناء الاعتماد عليه، اللجوء لبعض الإجراءات التحوطية للتخفيف من آثاره السليية، لرفع التكلفة على خروج رأس المال السريع..Capital Controls"، والمقصود بذلك المصطلح هي بعض ضوابط التي تتخذها الحكومة أو البنك المركزي، لتنظيم تدفق رأس المال الأجنبي، مثل فرض ضرائب معينة، ووضع تشريعات وقيود للتخارج وتوقيته.
وأضاف "جمال": "كنت محتاج تعلي التكلفة على اللي داخل يضارب خصوصًا إن صندوق النقد الدولي بعد ما كان بيرفض ده، من 3 أو 4 سنين طَلع ورقة تاريخية بيؤيد هذا الاتجاه في أوقات الأزمات".
واستدركت المنصة عن وائل جمال أنه لا يريد الجزم بأن "الأموال الساخنة" هي السبب وراء ارتفاع سعر الدولار: "يمكن ما حدث إعطاء إشارة لصندوق النقد الدولي بوجود مرونة في سعر الصرف كما طلب".
واستعرض وائل جمال كيف أن الاعتماد الدائم على "الأموال الساخنة": "وصفة كلاسيكية للتعرض لخطر دائم لبياعين الفائدة وهو وضع لا يناسب الاقتصاديات المستقرة حتى".
وقالت إن بيان "النقد الدولي" عقب الموافقة على صرف شريحة جديدة بقيمة 820 مليون دولار لمصر ضمن برنامج قرض بقيمة 8 مليار دولار، شدد الصندوق على التزام مصر بـ"نظام سعر الصرف المرن".
البديل أسوأ
ونقلت عن الخبير مدحت نافع أن أن الالتزامات الدولارية المتنوعة مثل: أقساط الديون ومستحقات شركات البترول والإفراجات الجمركية، ودعم الاحتياطي النقدي الأجنبي استهلكوا أموال صفقة رأس الحكمة، لذا كان هناك استمرارية في الاعتماد على "الأموال الساخنة" لأن البديل كان أسوأ.
واستدرك أن المشكلة في التوسع في اللجوء إلى الأموال الساخنة: "ممكن تحتاجها في سد قسط مستعجل جدًا.. أو تخَرج سلع جمركية هتُستخدم في صناعات تدر عليك دخل دولاري"، وليس لاستخدامها كأجل قصير في العمل على مشروعات العائد منها سيكون بعد سنوات مثلًا".
الأزمات المحيطة
ولجأ العديد من المستثمرين لبيع أسهمهم، وانخفضت مؤشرات البورصة الأمريكية، وطالت الأزمة بورصات أوروبا وآسيا خاصةً اليابان، مع تخوف المستثمرين من انخفاض أرباحهم بعد لجوء بنك اليابان لرفع الفائدة، وربط مدحت نافع بين خروج بعض "الأموال الساخنة" من السوق المصرية والسياق العالمي، مُضيفًا: "المستثمرين لجأوا لبيع استثماراتهم في مختلف الأسواق خاصًة الرابحة وليس مصر فقط، وفي مصر كانت البورصة رابحة خلال الفترة الأخيرة، فالمستثمر يلجأ لبيع أسهمه في سوق رابح لتغطية خسائره في سوق آخر".
واستدرك "أن الخروج كان متوقعًا في أي وقت بطبيعة "الأموال الساخنة" لكن "انت بس مكنتش عارف السبب المباشر هيجيلك منين…انت وفرت عوامل داخلية تساعد المستثمر على القرار ده، مثلًا قرار رفع أسعار الوقود ده إشارة للوضع الاقتصادي هيسوء، فلازم تعوضه بسعر فائدة أعلى في حين إن إشاراتك دائمًا إن سعر الفائدة هينخفض".
وأضاف "نافع" إلى أن التعامل الطبيعي يجب أن يدرك أن الأزمات العالمية المتلاحقة أصبحت شئ طبيعي ولن نتفاجئ به: "ده محتاج رؤية وإدارة للمخاطر وتحوط..لو معندكش القدرة على التعامل في الإطار ده، ستستمر المعاناة مع الأزمات الاقتصادية في المستقبل".

