تستمر معاناة مئات الآلاف من الأسر في مصر جراء التعامل مع ملف التنسيق الجامعي، حيث تحرص وزارة التعليم على عدم تكافؤ الفرص بين الطلاب من ناحية، وتغليب مصالح أبناء كبار رجال الدولة وأبناء الأغنياء من ضعيفي المستوى على المتفوقين، بينما يعاني مئات الآلاف من الناجحين في الثانوية العامة.
وأعلن وزير التعليم السابق، طارق شوقي، في 6 أغسطس الجاري، نتيجة الثانوية العامة 2022، بنسبة نجاح 75.04% لـ649 ألفًا و387 طالبًا وطالبة، كما أعلن الأزهر في 28 يوليو الماضي، نتيجة 139 ألفًا بالثانوية الأزهرية، بنسبة نجاح 57.31%.
وكما عانت نحو 788 ألف أسرة مصرية مع امتحانات الثانوية العامة والأزهرية العام الجاري، تواجه نفس الأسر معاناة من نوع آخر مع التنسيق، وأعلنت حالة الطوارئ حتى حصول أبنائها على مقعد بإحدى الجامعات المصرية.
"ملامح الأزمة"
الأزمة، تتمثل في أن هناك 3 أنواع من التنسيق في مصر، أولها تنسيق الجامعات الحكومية (27 جامعة تتحمل الحكومة تكاليف التعليم بها)، وتنسيق الجامعات الخاصة (26 جامعة تحصل على مبالغ مالية كبيرة)، ثم الوافد الجديد، وهي الجامعات الأهلية (12)، بمصروفات أقل من الخاصة.
ويعجز الكثير من الطلاب المتفوقين عن تحقيق حلمهم في دخول كليات القمة -الطب بأنواعه والهندسة وغيرهما من كليات القمة بالفرع الأدبي- بالجامعات الحكومية بسبب نصف درجة أو نسبة مئوية قليلة، ولعدم قدرة أسرهم المادية في إلحاقهم بالجامعات الخاصة أو الأهلية.
وعلى الجانب الآخر، يمكن لزملائهم الذين حصلوا على مجموع أقل بكثير ولديهم قدرات أقل بكثير من أقرانهم، دخول الجامعات الخاصة والأهلية، طالما يملكون المال، ما يسبب أزمة نفسية لدى الطلاب المتفوقين، وخللًا مجتمعيًا خطيرًا، وضعفًا في قدرات الخريجين.
والمحصلة النهائية، بعد 4 سنوات من التعليم، سيتخرج الجميع، ويحصل طلاب الجامعات الأهلية والخاصة على مواقع العمل المهمة بالعملات الصعبة، رغم ضعفهم العلمي، ويظل المتفوقون يعانون في البحث عن فرص عمل بالجنيه أو السفر للخارج، كما يرى مراقبون.
"تنسيق غير متوازن"
وزارة التعليم العالي حددت الحد الأدنى لتنسيق المرحلة الأولى من الجامعات الحكومية للشعبة العلمية بنسبة 89.02%، و83.17% للشعبة الهندسية، و64.51% للشعبة الأدبية.
وبلغ الحد الأدنى للقبول بكليات الطب 91.6%، وطب الأسنان 91.34%، والصيدلة 90%، والهندسة 83.65%، وبالنسبة للشعبة الأدبية 82.92% لكليات الاقتصاد والعلوم السياسية، و80.24% للألسن.
وفي المقابل، سجلت الحدود الدنيا المقررة للقبول بكليات الجامعات الأهلية والخاصة، لكلية الطب 82%، ولطب الأسنان 80%، والعلاج الطبيعي 78%، والصيدلة 74%، والطب البيطري 70%، والهندسة 68%.
وتبلغ نسب القبول بباقي التخصصات بالجامعات الخاصة 62% للحاسبات، و55% للتكنولوجيا الحيوية والعلوم الصحية والتمريض، و55% للإدارة والاقتصاد والعلوم السياسية والإعلام والتربية والسياحة والفنادق والآثار والحقوق واللغات والترجمة والزراعة.
ووفق "وثيقة سياسة ملكية الدولة"، تعتزم الحكومة التخارج من 79 نشاطًا بالسنوات الـ3 المقبلة، لكنها تنوى الاستمرار في مجال التعليم، وزيادة الاستثمار فيه، بل وتشجيع القطاع الخاص للدخول فيه، وفي هذا الإطار، أسست 12 جامعة أهلية هدفها الربح من العملية التعليمية.
وتبدأ الدراسة في أكتوبر المقبل، بـ12 جامعة أهلية جديدة منبثقة من الجامعات الحكومية، وهي (حلوان، وبنها، والزقازيق، والمنصورة، والمنوفية، والإسماعيلية، وشرق بورسعيد، والإسكندرية، وبني سويف، وأسيوط، والمنيا، وجنوب الوادي).
وتبلغ مصاريف الجامعات الأهلية ما بين 40 ألف جنيه لكلية السياحة والفنادق، ومن 60 إلى 63 ألفا للعلاج الطبيعي، ومن 55 إلى 60 ألفا للهندسة، و68 ألفا لهندسة الحاسب الآلي، ومن 70 إلى 97 ألفا لطب الأسنان، و85 ألفا للصيدلة، ومن 85 حتى 105 لكلية الطب البشري.
وتتفاوت مصاريف الجامعات الخاصة بين جامعة وأخرى، إذ تبلغ مصاريف الهندسة بالجامعة البريطانية نحو 160 ألف جنيه، وطب الأسنان 200 ألف، والصيدلة 125 ألفا، والحقوق 105 آلاف، والفنون 160 ألفا.
وفي جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، تبلغ مصاريف الطب 130 ألف جنيه، والأسنان 105 آلاف، والعلاج الطبيعي 75 ألفا، والصيدلة 72 ألفا، والهندسة 55 ألفا
بينما مصاريف جامعة مصر للمعلوماتية لكلية الهندسة تبلغ 180 ألف جنيه، وعلوم الحاسب 172 ألفا، وتكنولوجيا الأعمال 164 ألفا، والفنون الرقمية 189 ألفا.
"تخريب متعمد"
ومع شكوى نقيب المهندسين من تسبب التنسيق بتراجع مستوى المهندسين بسوق العمل، وشكاوى مصريين من ضياع جهود أبنائهم، وعجزهم عن إلحاقهم بالجامعات الخاصة والأهلية، قال الباحث خالد الأصور إن "المتابع لمنظومة العملية التعليمية بالسنوات الأخيرة، يلحظ فوضى وتخبطًا وفشلًا".
وأضاف الأصور: "لا أقول إنه نتيجة لسوء التخطيط وضعف الخبرات، بل أكاد أجزم أنه متعمد مقصود في سياق التجريف العام لإمكانيات البلد ومقدراته، وفي صدارتها التعليم، حتى سمعنا سخرية من أهمية التعليم على طريقة: (ويعمل إيه التعليم في بلد ضايع)"، في إشارة لقول سابق للسيسي.
وأكد أن "اعتراض نقابة المهندسين على تدني مستوى الخريجين، وأن النزول بنسبة القبول للتخصصات الهندسية سيؤدي لمزيد من هذا التدني، هو اعتراض من داخل البيت الهندسي، بل من أهم جهة ذات اختصاص، ولكن للأسف لن يتم الالتفات له، دعما للخطة الممنهجة لتخريب التعليم".
وتابع: "لنربط هذا بتصريح وزير التعليم الجديد، وهو امتداد لسلفه في استمرار التخريب، حول ما اصطلح عليه إعلاميا بـ(لجان ولاد الأكابر) في امتحان الثانوية العامة، فلم يصدر أي قرار بإلغاء امتحانات اللجان التي ثبت فيها الغش الجماعي، ولم يصدر أي قرار لمحاسبة المسؤولين عن هذه الكارثة"، وفقًا لـ"عربي21".
وتفجرت مع نتائج امتحانات الثانوية العامة، 6 أغسطس الجاري، أزمة أخرى عرفت باسم "لجان الأكابر"، في 14 محافظة، والتي جرى تخصيصها لأبناء كبار المسؤولين والضباط والقضاة ورجال أعمال، وشهدت غشًا جماعيًا، حيث حصل أغلب الطلاب بها على نسب أعلى من 90%.
ويرى أن "النتيجة الطبيعية لهذا التجاهل المقصود لاتخاذ هكذا قرارات هو أن يتسرب لكليات الهندسة والطب مثلًا هؤلاء الطلبة الغشاشون الحاصلون بالغش والتزوير على مجاميع عالية، وليخرجوا لسوق العمل بمستوياتهم الضعيفة، ليمتد سرطان التخريب من التعليم إلى مجالات العمل".
"الأقل ظلما"
من جانبه، قال الأكاديمي الدكتور محمد عزب: "تعد عملية التنسيق في ظل الأوضاع التعليمية الحالية مخيبة للآمال، فلا الطالب يتلقى خدمة تعليمية مناسبة، ولا الدولة تسعى لها، ولا سوق العمل يفرض على القائمين متطلباته".
وأضاف: "بشكل عام أصبحت عشوائية القرارات التعليمة سببًا رئيسًا في خلخلة اهتمامات الطلاب، كما أن نظام الامتحانات الذي يشوبه القلق وعدم الاتزان والاستعداد سبب من أسباب تراجع العملية التعليمية".
وعليه يرى عزب أن "عملية ضبط المسار لها آثار سلبية كبيرة على أصحاب المجاميع الصغيرة التي سببتها قصور عملية الامتحان وعشوائيتها"، مضيفًا: "من ناحية أخرى، لأهل التخصص فرض رؤيتهم بناء على تقييمهم لأداء الخريجين بالسنوات الـ10 الماضية، ولا شك أنها تتهاوى كل حين".
وأشار إلى أننا "بين معضلتين، نظام تعليمي لا يحقق العدالة، وطموحات لطلاب وقعوا تحت ظلم النظام التعليمي، ويبقى أن الأصل هو الرجوع للدرجات وإن كانت ظالمة، لأن أي معايير أخرى سيتم التلاعب بها لتحقيق الأهواء من خلال التلاعب بالقواعد الحاكمة".
وتابع: "لنا في الكليات التي تخضع لكشوف الهيئة والمهارات عظة، إذ إن الطالب يجتاز كل الاختبارات، ويتم استبعاده في كشف الهيئة؛ لأنه عبارة عن رؤية تقييمية للجالس على المنصة، وأمامه في النهاية أسماء المقبولين".
وختم بالقول: "علينا أن نرضى بالأمر الواقع؛ لأنه أقل ظلما من الأمر الذي يجب، لأنه في ظل حالة الفساد التي لا تتوقف لا يمكن تحقيق العدالة تحت أي معيار يضعه الفاسدون".

