يعتقد المراقبون أن المشتركات بين كيان الاحتلال والانقلاب في مصر وكواليس العلاقات أكبر من خلاف عابر كشفت عنه التقارير العبرية والدولية خلال اليومين الماضيين بين القاهرة وتل أبيب.
وأشاروا إلى أن الانتخابات القريبة في "إسرائيل" عجلت بضربة عسكرية لغزة كما عجلت بإظهار خلاف (على فرض واقعيته) يمكن حله خلف الأبواب المغلقة بدلا من التغني به.
وأن لابيد وجاتس يحاولان صنع دعايه إنتخابيه لصالحهما أمام المرشح القوي بنيامين نتنياهو بشن عدوان على غزه وإغتيال قادتها، وإظهار لهجة مخالفة (على الأقل خلال التسع سنوات الماضية) تجاه السيسي وعباس كامل.

عناصر قلق

وقال د.حازم عياد الباحث في العلاقات الدولية إن الملف الفلسطيني الهاجس الأهم الذي يرغب جانتس  ومن معه بتحييده، ونزعه من القاهرة، وهو لب الازمة والتوتر ودافعه الحقيقي مضيفا أن ما يخشاه جانتس  وقادة الاحتلال الإضافة النوعية والجيوسياسية التي يقدمها قطاع غزة لمصر والدور والقدرة التفاوضية المتنامية للقاهرة بملف فلسطين.

ورأى أن "إسرائيل تريد تقزيم الدور المصري بعد تنامي هذا الدور، ومُراكمتَه عناصر القوة بتأثير من التحولات الجيوسياسية والاستراتيجية في قطاع غزة والضفة الغربية".
ووصف "عياد" الكاتب في السبيل الأردنية أن "المعلومات حول توتر العلاقات الاسرائيلية المصرية ما زالت شحيحة مقتصرة على تسريبات الصحافة الاسرائيلية التي اكدها بشكل رسمي وزير الحرب الاسرائيلي بيني جانتس  يوم الاثنين لإذاعة مكان العبرية، ومن ثم تناقلتها وسائل الاعلام عبر هيئة الاعلام العبري (كان".
وأبدى تعجب من التزام "مصر الرسمية" الصمت في حين انشغلت ماكينتها الاعلامية في الرد على المقال الجدلي للكاتب المصري عماد اديب، والقمة العربية الخماسية..
واضاف أن "ملف التوتر بين الكيان الصهيوني ومصر تتم مناقشته في الكواليس والغرف المغلقة بالقاهرة بعيدا عن الأضواء، خصوصا ان مدير المخابرات المصرية عباس كامل ورئيس الشاباك الاسرائيلي الذي يزور القاهرة رونين بار يخوضان نقاشاً حول الملف وتفاصيله".
وأوضح أن "مصر الرسمية لا تبحث عن تصعيد علني مع الكيان الصهيوني، وتتجنب نقل الملف الى العلن؛ اذ اكتفت بوقف الاتصالات بين جهاز المخابرات المصري والشاباك ما يفسر الزيارة الطارئة لرونين بار الذي نقل الملف الى العلن بتسريبات صحفية متتابعة تكشف عن لقائه مدير المخابرات المصري عباس كامل الذي يتولى ملف العلاقة مع قطاع غزة، والوساطات بين المقاومة والاحتلال، بل مشاريع التهدئة في بعدها الامني والاقتصادي كإعادة الإعمار وبناء المدينة الصناعية وتحسين الظروف المعيشية في القطاع".
وأشار إلى أن "الجهود الاسرائيلية في محاصرة حركة حماس وفصائل المقاومة واحتواء الازمة في القطاع عبر الادوات الاقتصادية، سواء كانت العقوبات والحصار، أم كانت تحسين الظروف المعيشية والتنمية، باتت مهددة بشكل مباشر نتيجة للتوتر مع الجانب المصري الذي عانى من تهميش دوره في مفاوضات التهدئة لتكتفي "إسرائيل" بالتعامل مع مصر كعنصر تنفيذي لا اكثر ولا اقل وهو دور لن تقبله القاهرة".
ورأى أن "الصمت المصري الرسمي يشير الى رغبة مصرية في عدم التصعيد بانتظار تقديم الكيان الصهيوني تنازلات في ملف خليل العواودة وملف بسام السعدي لتثبيت الهدنة في قطاع غزة، مكرسة بذلك مكانة مصر ودورها في المنطقة انطلاقا من قطاع غزة الذي بات يمثل عمقاً إستراتيجياً لمصر بفعل تنامي قوة المقاومة، ومجالاً حيوياً استراتيجياً وأمنياً لمصر حَسَّن قدرتها التفاوضية ووزنها الإقليمي، وأسهم في تفعيل دروها كفاعل اقليمي وسياسي".


دعاية الصهيونية

التقارير العبرية تناولت الأزمة السياسية مع مصر، وقالت إن القاهرة طالبت بخفض التوتر في الضفة الغربية، وتجاهلت تل أبيب الطلب، الذي أعقب التصعيد العسكري في قطاع غزة، في الأسبوع الأول من أغسطس الجاري.

أما الكاتب والباحث إبراهيم النمر فأشار عبر (@ielnemr) أن قادة الاحتلال يعتمدون الخلاف الناعم بحب ما نقلت "صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي بيني جانتس في مقابلة إذاعية أمس. وأضاف جانتس: "العلاقات بين الأصدقاء تشهد تقلبات صعودا وهبوطا..دون الدخول في حادثة معينة أو أخرى، سنعرف كيفية تثبيت العلاقات. لسنا بحاجة إلى أخذ كل أزمة والتحول إلى أهم شيء".

وأبرز قوله: "آمل أن تنتهي في الأيام القليلة المقبلة".
ووصفت صحيفة هآرتس رد فعل مصر على عمليات القتل بأنه "غاضب" وأدى إلى إلغاء رئيس المخابرات المصرية عباس كامل لزيارة كانت مقررة لإسرائيل.
ولم يصدر تعليق رسمي من الجانب المصري عن هذه الأزمة أو زيارة رئيس “الشاباك” الإسرائيلي حتى 8.30 من مساء 21 أغسطس الذي منح من الإعلام الرسمي لتغطية استقبال السيسي بن زايد وملك الأدن والبحرين ورئيس حكومة العراق.

وكشفت إذاعة جيش الاحتلال أن الأزمة في العلاقات بين تل أبيب والقاهرة بدأت منذ أكثر من شهرين، بعد إعلان جيش الاحتلال إسقاط طائرة مسيّرة مصرية؛ ما أثار غضب مصر، التي اعتبرت الإعلان محرجاً لها.


خلفية لابد منها
وفي أغسطس 2015، نشر د.صالح النعامي في مقال له حلل فيه العلاقات المصرية الصهيونية قال إن "مركز أبحاث الأمن القومي" الإسرائيلي يرى أن نظام رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي يرى في العلاقات مع تل أبيب "كنزا استراتيجيا".

ولفت إلى ما نشرته مجلة "عيدكون استراتيجي" في العدد الثاني من المجلد 18، بمناسبة مرور عام على حكم السيسي، شددت على أن "السيسي يرى في العلاقات مع "إسرائيل" وتعزيزها أهم مصادر الدعم السياسي والدبلوماسي والدولي لنظامه".
واستند إلى الباحث في المركز أفير فنتور، الذي قال إن "إسرائيل حققت إنجازا كبيرا بصعود السيسي، مشيرا إلى أن هذا الإنجاز تمثل في تقليص مكانة القضية الفلسطينية والحد من مكانتها في الجدل العربي العام"، مشيرا إلى أن السيسي حرص على التقليل من شأن الموضوع الفلسطيني بحجة الاهتمام بالشأن المصري الخاص.
وشدد فنتور على أن "إسرائيل" استفادت من الحرب التي شنها السيسي على جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس، علاوة على استفادتها من حرص القاهرة على تعميق التعاون الاقتصادي وتكريس التطبيع السياسي والثقافي.

وأوضح فنتور أن "إسرائيل" استفادت بشكل كبير من الحرب التي أعلنها السيسي على الأنفاق التي تربط سيناء بغزة، مشيرا إلى أن هذا التطور أسهم في تجفيف مصادر التسليح للمقاومة الفلسطينية، ناهيك عن دوره في منع تعاظم قوة حركة حماس، بما يمكن "إسرائيل" من مواجهتها بشكل أفضل.

وأوضح فنتور أن كلا من "إسرائيل" ونظام السيسي اعتبرا الحركات الإسلامية والجهادية تهديدا مشتركا، ما أفضى إلى تعميق التعاون الأمني وتبادل المعلومات الاستخبارية بينهما بشكل غير مسبوق.

وشدد فنتور على أنه في ظل أزمة الشرعية التي يعاني منها النظام الحالي في القاهرة، فإن السيسي بات يرى أن العلاقة مع "إسرائيل" هي بمثابة "جواز سفر" لاقتحام عواصم العالم والقبول في المنتديات الدولية، ناهيك عن جلب الاستثمارات الخارجية.

وأكد فنتور أن السيسي يعي حجم الدور الذي قامت به "إسرائيل" من أجل انهاء المعارضة لنظامه داخل الولايات المتحدة، بالاستعانة بخدمات المنظمات اليهودية التي تجندت بكل قوة للمهمة.

وفي دراسة تناولت التحديات الاقتصادية التي يواجهها النظام المصري، قال الباحث يستحاك غال، إن السيسي يدرك حجم الدور الذي لعبته "إسرائيل" في تأمين تواصل الدعم الأمريكي للقاهرة، ما زاد من مكانة "إسرائيل" لدى النظام الجديد في القاهرة.

وفي الدراسة التي جاءت تحت عنوان "هل ينجح السيسي في مواجهة التحديات الاقتصادية"، كتب غال إن السيسي لا يمكنه أن يسمح بتدهور العلاقات مع "إسرائيل"، لأن هذا سينعكس بشكل كارثي على استقرار نظام حكمه.


الوساطة الأخيرة

وبوساطة مصرية دخل اتفاق لوقف إطلاق النار بين الاحتلال وحركة “الجهاد الإسلامي” في قطاع غزة حيز التنفيذ في 7 أغسطس الجاري، بعد 3 أيام من تصعيد عسكري شن خلالها جيش الاحتلال غارات على القطاع أسفرت عن مقتل 49 شخصاً وإصابة 360 آخرين.

وشهدت الضفة الغربية بعد اتفاق التهدئة في غزة، تصعيداً إسرائيلياً حيث نفذ جيش الاحتلال سلسلة عمليات لاعتقال فلسطينيين تركزت في مدن جنين ونابلس وطوباس، وقتل خلالها عدد من الفلسطينيين.