ساعات وتطل علينا ذكرى مذبحتي رابعة والنهضة التي يبدو أنها كانت أمرا من الغرب الصهيو أمريكي أو حققت عين رضاه بالموالين له من العسكر الخونة يتصدرهم عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع وقتئذ، وقائد الحرس الجمهوري رفيقه محمد زكي وثلة من المجرمين في الشرطة والجيش ذبحوا الالاف وشردوا آخرين واعتقلوا وما زالوا أضعاف من قتلوهم وهجروهم، ليحكموا قبضتهم قسرا على شعب مستكين لتسع سنوات كاملة..
وبعيدا عن الرفض الشعبي المكتمل عن غير ذي قبل، إلا أن العديد من مؤسسات حقوق الإنسان العالمية والمحلية دعت مرارا لفتح تحقيق شامل في كافة الجرائم المُصنّفة ضد الإنسانية، وأكبرها مجزرة رابعة العدوية التي راح ضحيتها بحسب أرقام هويمن رايتس ووتش نحو 1114 شهيد، وخمسة آلاف شهيد بحسب قيادات الاعتصام والمعتقلون بسجون الانقلاب، فهي جرائم لا تسقط بالتقادم.
وبحسب تقارير؛ لا يزال السيسي وأركان نظامه يخشون من الدعاوى التي حاول عدد من النشطاء رفعها ضد رموز الانقلاب والمتورطين في المذابح الجماعية والتعذيب في السجون والمعتقلات بين عامي 2013 و2015؛ سواء في قضية فض اعتصامي رابعة والنهضة أو التعذيب، وذلك أمام محاكم أميركية وبريطانية ودولية. فعلى الرغم من تعثر الإجراءات الخاصة بتلك الدعاوى، إلا أنها تبقى مصدر قلق للنظام الحاكم.
إلى متى يفلت المجرمون ؟
السؤال الذي بات يلح على الجميع والمترقبين لأوضاع مصر التي إلى هبوط على كافة المنحنيات، إلى متى يفلت المجرمون؟.
يشير المراقبون أن القتلة والخائنون ممن نفذ المذبحة الكبرى أو ما يمسيه البعض ام الحرائق طلقاء يتمتعون بالحماية والحصانة ويتبؤون أعلى المناصب في البلاد داخل المؤسستين العسكرية والأمنية وحتى السياسية، ويبدو أنه لن يجرى تحقيق على الأقل داخلي في هذه الجريمة الكبرى؛ حيث القائمين على حكم البلاد منذ 34 يوليو 2013 وحتى كتابة هذه السطور هم الذين فعلوها والقاتل لن يحاكم نفسه أو يقدم جنوده الذين أطاعوا أوامره .
منظمة العفو الدولية، عشية الذكرى الثامنة للمذبحة 2021، قالت إنّ السلطات المصرية تقاعست عن محاسبة أي من أفراد قوات الأمن، على قتل ما لا يقل عن 900 شخص خلال فضّهم العنيف لاعتصامي ميداني رابعة العدوية والنهضة. ويواجه 12 رجلاً إعداماً وشيكاً، ويقضي مئات آخرون أحكاماً بالسجن لفترات طويلة بسبب مشاركتهم في الاحتجاجات، ما يدلّ على الأولويات المشوّهة لما يسمى نظام العدالة في مصر.
تحصين القتلة
وفي سبيل تحصين القتلة من كبار الجنرالات واللواءات أصدر السيسي في يوليو عام 2018، قانونا يجيز له إصدار قرار بتحديد بعض الشخصيات العسكرية ممن تولوا مناصب قيادية في فترة تعطيل الدستور، التي وقعت خلالها أحداث رابعة والنهضة، ومنحهم حصانة نهائية من أي إجراءات قضائية بشأن أي جرائم وقعت منهم أو بمناسبة توليهم مناصبهم، وكذلك منحهم حصانة دبلوماسية تقيهم الملاحقة القانونية خارج مصر.
القانون كان تعبيرا عن تخوفات الإنقلابيين التي أثارها محاولات ونداءات من قانونيين وحقوقيين وأولياء الدم، على مدار الأعوام الماضية بتحريك دعاوى أمام الجهات القضائية الدولية والمحلية في دول أجنبية، لتوقيف السيسي وقيادات أخرى، باعتبارهم مسؤولين عن مذبحة تصنف كجريمة ضد الإنسانية.
الشامخ شريكا
ومن أبرز عناصر تحصين القتلة، إفساد القضاء وتولية المرتشين ومهدمي الذمم ومن اصحاب الثأر والانتقام من الاسلاميين، فالقضاء بحسب الحقوقيين أداة سياسية انتقامية ضد الضحايا من جهة وتوفر غطاء لتوجهات النظام نحو تحصين القتلة المتورطين في الجريمة والمذابح الجماعية التي سبقتها أو تلتها وتوفير الحماية لهم وتجاهل كشف الحقيقة والمحاسبة، بإصدار أحكام تدين المجني عليهم لا الجناة، وتقوم على العبث العمدي بالوقائع التاريخية، وتحمّل مسؤولية الدماء لجماعة الإخوان وتعصم الجيش والشرطة من المحاسبة، وتصور الاعتصام وكأنه مجرد محاولة للخروج على شرعية مزعومة، تصدت لها الدولة لتحقيق الاستقرار.
قانون "الدستورية"
من جهة أخرى يحصن المنقلب وعصابة المذبحة من خلال طرح حكومة الانقلاب في يونيو 2021م مشروع قانون لتعديل قانون المحكمة الدستورية العليا، يمكنها من وقف تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة من محاكم ومنظمات وهيئات دولية ذات طبيعة سياسية أو قضائية في مواجهة الدولة المصرية، أو التي ترتئي السلطة الحاكمة في مصر أنها تخالف الدستور أو التشريعات المحلية، يعكس استمرار التخوف من الحراك القضائي الأجنبي أو الدولي بسبب مذبحة رابعة وتوابعها.
ونقلت تقارير صحف عربية أنّ السبب الرئيس لتقديم هذا المشروع، هو تخوّف نظام السيسي من صدور أحكام وقرارات تنفيذية من منظمات دولية ودول أجنبية ضد رموزه في الفترة المقبلة، على خلفية بعض الدعاوى القضائية المرفوعة ضد حكومة السيسي، وبعض قياداتها بصفاتهم وأشخاصهم في الوقت الحالي، بالإضافة إلى ما يمكن صدوره من أحكام وقرارات خاصة بتنفيذ مصر التزاماتها الحقوقية في إطار الحريات الشخصية والعامة بموجب المعاهدات الدولية التي وقعت عليها في فترات سابقة.
الجنائية الدولية
ويدرك السيسي وعصابة المجازر أن مذبحة فضّ اعتصامي رابعة العدوية والنهضة من الوقائع التي يمكن للمحكمة الجنائية الدولية التعامل معها بالتحقيق والمحاكمة على الرغم من تراخي حكومات العسكر المتعاقبة في التصديق على معاهدة روما (التي تأسست بموجبها المحكمة الجنائية)، وذلك من دون التقيّد بأي مواعيد أو مرور سنوات على الحدث ذاته، إذ إن الجرائم من هذا النوع لا تسقط بالتقادم، وهو يصيب الدائرة المقربة من السيسي بقلق دائم.
ففي 14 أغسطس 2013، استخدمت قوات "الأمن"، من الشرطة والجيش في مصر، أثناء فض اعتصام ميداني "رابعة والنهضة" القوة المفرطة، والتي أودت بمئات الضحايا من القتلى وآلاف المصابين، مجزرة شاهدها العالم والسلطات المحلية، انتهكت فيها القوانين المحلية والمواثيق الدولية بشكل صارخ، في مواجهة اعتصام سلمي..
وصنقت الجريمة ضد الإنسانية وفق كثير من الخبراء الدوليين، في حقوق الإنسان ومكت الأمم المتحجة في جنيف، وهي؛ جريمة لم يتم التحقيق فيها بما يتناسب وحجم الفاجعة التي لم تمر مثلها على مصر خلال عصرنا الحديث، ولم يُحاسب قانونا من ارتكبها، بل دأبت السلطة المصرية على تصفية حساباتها مع خصومها السياسيين بالطرق غير القانونية، واتبعت نهجا استثنائيا في محاكمة فصيل سياسي بعينه امتد لكل من شارك في ثورة يناير، بالمخالفة لضمانات المحاكمة العادلة، بل وبالمخالفة لمفهوم العدالة في حد ذاته..
رابعة تشهد
ومع ذكرى المذبحة، لا يزال مسلسل القتل بالإهمال الطبي للسجناء السياسيين مازال مستمرا، والسجن والاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والحبس الاحتياطي للسياسيين وأقاربهم، الذي يمتد لفترة تجاوز الحد الأقصى له قانونا والذي جعل الحبس عبارة عن اعتقال إداري وليس قرارا قضائيا.
وتُصدر أحكام جماعية بالجملة في قضايا ذات طابع سياسي، يُحرم ضحايا الإعدام من حقهم في الدفاع عن أنفسهم، ومن التنكيل برابعة الحجر والبشر حُكِم بالإعدام البات واجب التنفيذ على 12 ضحية في القضية المعروفة إعلاميا "فض اعتصام رابعة"، تم اتهامهم بإدارة اعتصام بالمخالفة للقانون، وقتل عناصر من الشرطة، في محاكمة جائرة وغير عادلة، بدلا من التحقيق الشامل الشفاف العادل في ضحايا الاعتصام، قامت السلطة المصرية بمحاكمة ضحايا الاعتصام، وأغفلت التحقيق في قتل 627 قتيلا حسب تقرير مصلحة الطب الشرعي المصري.

