قال موقع وكالة "بلومبرج" إن النضال من أجل الديمقراطية في تونس لم ينته بعد، محذرا التونسيين من السير في طريق التجربة المصرية، حيث نبه لخطورة المشروع السياسي القائم في تونس.
وأشار تقرير بلومبرج إلى أنّ الوضع الراهن في تونس يشبه تماما ما حدث في مصر، التي زرعت فيها هي الأخرى بذور الربيع العربي، حين تلاشت الديمقراطية بصعود عبد الفتاح السيسي إلى الحكم.
وأوضح التقرير أن المواطنين وأنصار الثورة كان لهم سقف عال من التوقّعات وهي في مجملها غير واقعية، كضرورة تحقيق مكاسب اقتصادية فورية من الديمقراطية، وحين لم تتحقق المطالب (الشغل والكرامة)، فقدوا الثقة في النظام السياسي الجديد.

في مقابل ذلك، ووفق التقرير دائما، عملت قوى الثورة المضادة والدولة العميقة على إعادة تجميع صفوفها، فصدّرت شخصيات “رجعية” كعبد الفتاح السيسي وقيس سعيّد في الواجهة، مستغلّة سخط الشارع من النظام الديمقراطي الذي لم ينتج، حسب رأيهم، طفرة اقتصادية مرجوة.


عودة النظام

وأورد التقرير، أنّ تحكم سعيّد بزمام الحكم في تونس يُمثّل عودة “مظفرة” للنظام القديم إلى السلطة، وأنّ الإخفاق في المحافظة على الأنموذج الديمقراطي التونسي يتحمّله كثيرون بدءًا من المنتمين إلى الثورة.

وأكّدت الوكالة الأمريكية للأنباء، أنّه في تونس كما في مصر، أهمل المتظاهرون الشبّان، ومعظمهم من الليبراليين والعلمانيين الذين أطاحوا بالديكتاتوريات، التفاصيل الجوهرية للديمقراطية، وهي التشكّل داخل أحزاب سياسية وطرح برامج سياسية من أجل الخوض في غمار الانتخابات وتصدّر المشهد.

ولفتت الوكالة  إلى أنّ الموافقة على الدستور الجديد لقيس سعيّد كانت "مسبقة" (محققة بنص الدستور الذي يقر محتواه بمجرد طرحه للتصويت وليس بنسب التصويت التابعة)، لكن النتائج بيّنت أنّ معظم التونسيين أعرضوا عن الإدلاء بأصواتهم من خلال إدارة ظهورهم لمراكز الاقتراع، إذ اختار أكثر من ثلثي المؤهّلين عدم المشاركة في الاستفتاء.


لا يلغي الاستبداد
وأعتبر تقرير "بلومبرج"، امنشور مساء الأربعاء 3 أغسطس الجاري، أن تونس تجاوزت الحافة الأسبوع الماضي عندما قام الرئيس قيس سعيّد بإضفاء الطابع المؤسّسي على حكمه الاستبدادي من خلال استفتاء على دستور جديد يمنحه شبه سلطة مطلقة، بعد عام من التراجع الديمقراطي، بحسب الوكالة.

ووصف التقرير نتيجة التصويت في الاستفتاء على الدستور الجديد بأنها متوقّعة، خاصة بعد الإجراءات التي اتّخذها سعيّد قبل موعد الانتخابات، كتعليق أعمال البرلمان وتعيين لجنة الانتخابات الخاصة به والمجلس القضائي، وسجن المعارضين، وتكميم أفواه وسائل الإعلام.

أوضح التقرير أنّ الحراك السياسي سمح في البداية للأحزاب الإسلامية المحافظة، التي كانت منظمة بشكل أفضل، بكسب الأصوات وتشكيل الحكومات، لكن العطب السياسي الذي أصابها حال دون تحقيق أهدافها المرجوة.

وفي أوّل خطوة للحكام الجدد، اُستبدلت دساتير ديمقراطية بأخرى على المقاس ونُظّمت استفتاءات لاستكمال مسار استعادة أنظمة السلطة المطلقة.

 

الموقف من الإسلاميين
"بلومبرج" اتهمت العالم الخارجي أو ما سمّاه التقرير (العالم الحر المدافع عن الديمقراطية الناشئة)، بعدم تحمّل مسؤولياته في دعم الربيع العربي، مشيرا إلى أنّ الدول الغربية اكتفت بمشاهدة أزهار الحرية وهي تذبل.

واكد أنّ الدول الغربية كانت تتعامل بحذر مع الحكومات الإسلامية التي تصدرت الحكم بعد الثورة في تونس ومصر، إذ كانت تشعر بقلق في التعامل مع هذا المكوّن السياسي، وهو أمر قوّض قدرتهم على إصلاح الضرر الذي خلفته عقود من الديكتاتورية.

وانتقد الموقف الأمريكي في التعامل مع الملف التونسي، مشيرا إلى أنّ جو بايدن لم يبذل جهدا كبيرا في مساعدة الحكومة التونسية على إنقاذ اقتصاد البلاد المنكوب.

وأضافت بلومبرج أنّ إدارة البيت الأبيض لم تقدّم سوى انتقادات خاطفة لاستيلاء سعيّد على السلطة، مبينة أنّ الوقت ربما قد فات لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لكن يجب على بايدن والقادة الديمقراطيين الآخرين التعلّم من إخفاقاتهم الأخيرة والعزم على القيام بعمل أفضل في المرة القادمة.

 

ردود الأفعال خارج التوقعات

وأكّد التقرير فشل رهان اندثار الديمقراطية في الدول التي عرفت رياح التغيير، مشيرا إلى أنّ القادم سيحمل الكثير من الحراك السياسي الفاعل، وأنّ الشباب العربي سيكتشف قريبا زيف ادّعاءات الحكام الجدد.

 

وأبان أنّ المواطنين، لاسيما الشبّان سيصطدمون بحقيقة مرة؛ وهي أنّ السلطة الجديدة لا تمتلك أيّ حلول للمشاكل الاقتصادية التي تعرفها تونس، والتي تعدّ من جذور الأساسية لاستيائهم. وأوضح أنّ سعيّد لا يعي حجم التحدّيات الاقتصادية التي تواجهها بلاده، وأنّ الأرقام التي أُعلن عنها في عهد عبد الفتاح السيسي في مصر والتي تبرز نمو الاقتصاد أغفلت، عن قصد، نسب نمو السكان الذين يعيشون الفقر.

وأكد التقرير أن تدهور الأوضاع الاقتصادية وتباطؤ النمو العالمي، لا يمكن لسعيّد والسيسي توقّع ردّة فعل الشباب التونسي والمصري، مشيرا إلى أنّ مواطني البلدين تمرّدا على أنظمة أشدّ ديكتاتورية منهما.

ودعا التقرير الدول الغربية والديمقراطية، إلى الاستعداد لتقديم الدعم اللازم بشكل سريع في حال عادت العجلة إلى الدوران إلى الخلف، وإلى ضرورة احتضان الحكومات المنتخبة بالكامل بغضّ النظر عن توجّهاتها.

وأوصى التقرير الدول الغربية الغنية بتقديم حزم مساعدات خارجية محترمة وإلغاء الديون، علاوة على إرساء شروط تجارية مواتية مصمّمة للسماح للحكومات الديمقراطية بتحقيق مكاسب اقتصادية للسكان الذين نفد صبرهم.

وحذّر من تراجع مؤشر الديمقراطية في بلدان الربيع العربي، ومن عواقب الحكم السلطوي المطلق، داعيا النخب العسكرية إلى الالتزام بالدفاع عن الشعوب، منبّها إلى أنّ الوصول إلى الموارد الغربية (قروض وهبات)، مرهون بالالتزام بالدفاع عن المؤسسات الديمقراطية.