قال موقع "مدى مصر"، على بعد كيلومترات قليلة من منتجع مراسي، تُسابق الحكومة الزمن والظروف الاقتصادية لإنشاء مدينة عالمية هي العلمين الجديدة. لكن، بحسب المصدرين، فإن أغلب مكونات تلك المشاريع سيصاحبها تأثيرات كارثية على الساحل، في ظل غياب دراسات حقيقية عن أثرها على البيئة.


وأضاف الموقع أن الحكومة تسوّق مدينة العلمين الجديدة باعتبارها مدينة ذكية صديقة للبيئة. لكن، في سبيل إنشاء تلك المدينة، تم حفر بحيرات وردم أراضي لتغيير معالم الشاطئ. «الحكومة بتستعين بالدراسات فقط في حالة طلب تمويل أجنبي، لأن جهات التمويل بتشترط دا. ووقت التنفيذ كله بيختلف»، يقول أحد المصدرين، مضيفًا: «أحد المسؤولين قال إن أبراج العلمين بالفعل عملت دراسات أثر بيئي. لكن الحكومة منشرتش الدراسة».


ومن خارج التقرير أعتبر كبير باحثي "مركز كارنيجي" الأمريكي اللبناني يزيد صايغ أن أهمية تقرير "مدى مصر" أنه "يفتح ملف الآثار البيئية لمشاريع التنمية وخاصة العمرانية في مصر، حيث هناك الكثير من الكلام الرسمي عن الالتزام بالمعايير والأهداف البيئية يقابله حجب للبيانات ولإمكانية التدقيق المستقل".


أزمة «مراسي»


وتحت عنوان (أزمة «مراسي».. لا مكان للبيئة في الاستثمار) استعرض تخوفات مئات المواطنين زوار المنطقة عبر عنها الخبير البيئي صلاح حافظ، قبل عامين من الآن، حيث (البحر انشق ليبرز برزخ جديد ينبئ ببناء مرسى لليخوت يقسم المياه الفيروزية غرب خليج سيدي عبد الرحمن بالساحل الشمالي الغربي). مضيفا أن المينا بات واحدة من أكبر مراسي اليخوت في البحر المتوسط، تستوعب 236 يختًا، وذلك كجزء من تنشيط واستغلال سياحة اليخوت التي بدأت في الازدهار مؤخرًا.


وأنه بعد عام من زيارته "عاد كعادته إلى منزله هذا الصيف، ليجد الرمال قد انحسرت عن الشاطئ، لتكشف من تحتها تكوينات صخرية تبدد أحلام الاستلقاء على الرمال الناعمة والاستمتاع بمياه البحر في هدوء بعيد عن صخب المدن".

 
مشروع إماراتي


وقال التقرير إن "شركة إعمار مصر، صاحبة مشروع مراسي، والتابعة لـ«إعمار» الإماراتية من ضمن الشركات التي نظرت للخارج لاستقطاب أصحاب اليخوت الأكبر. ولكن هنا ظهرت مشكلة. «اليخوت الصغيرة تقف بضهرها على المارينا. لكن اليخوت الكبيرة بتقف بالجنب، ودا بياخد مكان 3 أو 4 يخوت صغيرة على الأقل»، يقول حافظ. بالإضافة إلى ذلك، فعمق المرسى الذي خططت الشركة لإنشائه في البداية لم يكن يناسب اليخوت الكبيرة.


وأضاف التقرير أن الشركة وجدت الحل في إنشاء مارينا جديد لليخوت بعيدًا عن مراسي اليخوت الصغيرة، عن طريق مد لسان داخل البحر، وتغيير المخططات التي حصلت الشركة بموجبها على موافقات الإنشاء، وهو ما يستلزم الحصول على موافقة جديدة من الجهات الإدارية المختصة، مثل هيئة حماية الشواطئ بوزارة الري بالتنسيق مع جهاز شؤون البيئة. لكن، وبحسب حافظ، لم تحاول الشركة تغيير الرخصة التي حصلت عليها من قبل".


ونبه التقرير إلى أن حافظ كأحد رؤساء جهاز شؤون البيئة السابقين، توقع أن تكون المفاوضات طويلة وتضم دراسات متعددة، نظرًا لحساسية منطقة الخليج. «في تلك الحالات، تتقدم الشركة بدراسات متخصصة ُمدعمة بنماذج هندسية لشرح وضع المنطقة قبل وخلال وبعد إنشاء المشروع، وكذلك الاحتياطيات الإنشائية لتلافى آثار المشروع السلبية، وتعهد من الشركة بمراقبة هذه التغيرات وتصحيح أي أثر سلبي»، لذلك، اعتمدت «إعمار مصر» على تقديمها، ضمن أوراق الرخصة الأصلية، خطاب ضمان بقيمة 50 مليون جنيه مخصصة للتعامل مع الآثار السلبية عند ظهورها، بحسب حافظ.


وقال التقرير إن الشركة بدات في نهاية عام 2020، إنشاء مارينا مراسي، بإضافة رصيف بارز داخل البحر، بالمخالفة لمواصفات الإنشاء التي كانت الشركة قد قدمتها وقت البدء في إنشاء المشروع، وحصلت على موافقة الحكومة عليها، بحسب حافظ، الذي أضاف أن في صيف العام التالي، أصدرت الحكومة قرارًا بوقف إنشاء المشروع لمخالفته الرسومات التي قدمتها الشركة، وتعارض الأعمال الجارية مع قرارات وقوانين حماية الشواطئ. لكن، بحسب حافظ، لم تتوقف الشركة، واستمر العمل على مشروعها جارٍ على قدم وساق.


وعن التعامل الرسمي قال التقرير إن وزارة البيئة في بيان لها أعلنت عن وقف عمليات بناء مارينا مراسي التي خلقت المشكلة وتشكيل لجنة لبحث الآثار السلبية للمشروع. وفي نفس الوقت، شددت الوزارة على أن المسؤولية الأساسية تقع على وزارة الري التي تشرف على الشواطئ المصرية.


وأكد "مدى مصر" أن بيان "وزارة البيئة" تجاهل مسؤوليتها مع جهاز شؤون البيئة على إعطاء الموافقة الأصلية للمشروع، والتي تتضمن دراسات بيئية مهمة قال مختصون إنها إما يتم «تستيفها» أو التغاضي عنها بشكل تام.


تهديد بيئي واضح


واشار التقرير إلى أن مارينا اليخوت "مراسي"، أصبح واضحًا للجميع أنها هددت استمرارية النظام البيئي الذي يعتمد على النحر والترسيب بشكل مستمر".


وأكدت أن "الرأس الجديد الذي امتد على طول أكثر من نصف كيلومتر لداخل البحر أدى إلى تقييد حركة الرياح والتيارات المائية المحملة بالرمال من شمال غرب خليج سيدي عبد الرحمن إلى الجنوب الشرقي باتجاه الإسكندرية، بما فيها بعض أجزاء من شواطئ «مراسي» نفسها، وإن كان التأثير أكثر ضراوة على المنتجعات شرقها، مثل قرية الدبلوماسيين وستيلا، اللتان فقدتا المصدر الأساسي للرمال المتجددة، لتختفي الشواطئ وتظهر الصخور الرسوبية من تحتها. ومع استمرار عمليات الإنشاء، تسربت كميات كبيرة من الأسمنت من المارينا إلى الشواطئ المجاورة، ليتحول الساحل من فردوس إلى مستنقع، بحسب وصف حافظ".


تستيف أوراق


واستند التقرير أيضا إلى رأي المحامي أحمد الصعيدي الذي وصفته بالمحامي البيئي الذي قال إنه مع ازدياد طلبات إنشاء القرى والمراسي؛ بدأت الشركات في «تستيف» ورق الفحص البيئي.
وقال الصعيدي: "شركات تقييم الأثر البيئي بتكون مهتمة تحافظ على العميل بتاعها. في نفس الوقت، مينفعش شركة تبقى عايزة تعمل مشروع، والاستشاري بتاعها يطلع تقرير إن المشروع هيبقى مُضر. بالتالي، كل التقارير اللي بتطلع بتبقى إيجابية، أو على أفضل تقدير، بتحاول تقلل مدى الأثر البيئي السلبي، فموافقة جهاز شؤون البيئة تطلع باشتراط دفع مبلغ صغير بالمقارنة بحجم المشروع وآثاره الحقيقية اللي بتكون أكتر بكتير".


وأضاف أن "الدراسة الأبرز للحصول على رخصة إنشاء المشروع تختص بتقييم الأثر البيئي على الساحل فيما يُعرف بدراسة ٍ«Shoreline Change Modelling» بحسب مدير إحدى شركات تقييم الأثر البيئي المُعتمدة من وزارة البيئة، تحدث مع «مدى مصر» بشرط عدم ذكر اسمه. تختص تلك الدراسة بتقييم كيف يغير المشروع طبيعة الشاطئ بعد فحص عدة محددات تشمل طبيعة الشاطئ وقاع البحر والرياح والتيارات لتوقع التغيير الذي قد يطرأ على المشروع على المدى القصير والمتوسط والطويل وحتى عشر سنوات. لكن، حتى أغلب الدراسات التي تتم لا تعكس الواقع.


وأكد الصعيدي أن "الدراسات لا تتم بشكل عملي. ولو حصل البيانات بتتجمع من النت أو لو حبوا يبذلوا مجهود يعني بيدوروا في رسائل الماجستير والدكتوراة القديمة، واللي في الغالب بتكون غير محدثّة، خصوصًا في ظل تغيرات المناخ السريعة اللي بتحصل دلوقتي".


وشدد على أنه "حتى إذا كانت البيانات سليمة وكاملة، يُمكن للتغيرات الطبيعية البسيطة أن تؤدي إلى تغيرات أكبر يجب على المشروع أن يتكيف معها".


حتى الإمكانيات


وأشار الصعيدي إلى أن قدرات جهاز شؤون البيئة متواضعة، بالرغم من تنامي المسؤولية الملقاة على عاتقه.


وكشف أن "الخبراء المُعينون في الجهاز عددهم قليل جدًا، مقارنة مع الشغل اللي بيعملوه. من ناحية، هما مطالبين بمراجعة كل تقرير أثر بيئي بيطلع من كل شركة أو مصنع جديد بيتقدم للحصول على رخصة. ومن ناحية تانية، المفروض يتابعوا بشكل مستقل تطور المشاريع دي، ورصد أي مخالفات، ومحاولة إيقافها في ظل امتلاكهم لحق الضبطية القضائية"، موضحا أن "ذلك يجعل من إتمام عمل خبراء الجهاز «شبه مستحيل».".


وخلص التقرير إلى أنه في كل الأحوال، بينما القطاع الخاص يدعي «أنه بيعمل دراسات»، بحسب مصدرين عاملين في مجال البيئة، فإن «المشروعات القومية مبتعملش دراسات أصلًا»!!