فشل الانقلاب في مصر من إطلاق قناة إخبارية عالمية تنافس القنوات العربية الكبيرة والعالمية مثل الجزيرة القطرية، ومنذ وقت قليل أعلنت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التابعة للمخابرات العامة، عن "إنشاء قناة إخبارية إقليمية" بعد طول معاناة.
وكشف مسؤول من داخل الشركة عن خطة للاستحواذ على قناة "الغد" الإخبارية المملوكة للإمارات والتي يديرها القيادي المفصول من حركة فتح الفلسطينية محمد دحلان. وأشار إلى أن تعليمات قائد الانقلاب السيسي للمخابرات، بسرعة إطلاق قناة إخبارية بالتزامن مع استعداد مصر لتنظيم مؤتمر المناخ العالمي في نوفمبر المقبل وإطلاق "الحوار الوطني"، صعّبت مهمة الشركة المتحدة، خصوصًا أن تأسيس قناة إخبارية دولية يحتاج الكثير من العمل والإعداد والتجهيزات الفنية التي تتطلب وقتًا طويلًا، وهو ما دفعها إلى التفكير في الاستحواذ على قناة "الغد" الإخبارية، التي تمتلك نظام عمل منتظم، يجعل من السهل تغيير اسمها والاستمرار في البث تحت اسم جديد.
وفي اليوم نفسه الذي انتقد فيه قائد الانقلاب السيسي "قنوات الطبخ"، وقال إنه خلال متابعته التليفزيون يجد كل القنوات "جايبة مطابخ"، وأنه "ليس ضد كل ذلك، ولكن التنويع مهم"، أعلنت الشركة "المتحدة للخدمات الإعلامية"، عن قناة جديدة تحمل اسم "القاهرة الإخبارية"، وقالت إن ذلك يأتي "للارتقاء بمستوى الخدمات الإعلامية، وبالتعاون مع عدد كبير من خبراء الإعلام وبيوت الخبرة في العالم".
وأكد المتحدث نفسه أن "ضيق الوقت وقلة التمويل جعلا المخابرات العامة تخطط للاستحواذ على قناة "الغد"، التي تعمل بالفعل، مع إضافة تفاصيل محدودة إليها، وتمكين كوادر الشركة المتحدة من إدارتها، وعلى رأسها الصحافي أحمد الطاهري، الذي أرسله الجهاز مؤخرًا إلى الولايات المتحدة للحصول على دورة تدريبية في قناة "CBS"، لاكتساب خبرة في إدارة غرفة الأخبار".
بداية قناة الغد
ووفقًا لعاملين من داخل مدينة الإنتاج الإعلامي، التي تضم مقرات جميع القنوات التلفزيونية المصرية والأجنبية، أن قناة "الغد"، أسست أخيرًا، استوديو جديدًا في المدينة بتمويل إماراتي ضخم. وانطلقت القناة الممولة إماراتيًا في عام 2015، كأول قناة إخبارية عربية من مصر، برئاسة الإعلامي عبد اللطيف المناوي، رئيس قطاع الأخبار الأسبق في التلفزيون المصري، الذي كان معروفًا بقربه من نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، لكنه سرعان ما أطيح به من رئاسة القناة بسبب نشر إعلانات للقناة تحمل صورًا للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، في وقت كان يدور فيه حديث عن توتر العلاقات بين النظام المصري، والمملكة العربية السعودية، وصورًا أخرى للرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وقال المناوي، في تصريحات تلفزيونية آنذاك، إن "السلطات المصرية طلبت إزالة صور أردوغان من إعلانات القناة، وإنه تفهم وجهة النظر، ورغم أنه يعتبر نفسه من داخل الدولة المصرية، لكنه لا يعبر عن وجهة نظر دولته، بل يعبر عن وجهة نظر القناة".
وبعد إطاحة المناوي، أسندت الإمارات إدارة القناة إلى القيادي الفلسطيني المفصول من حركة فتح محمد دحلان، بمعاونة فريق من العاملين الفلسطينيين، بالاشتراك مع رجل المخابرات الليبي العقيد محمد إسماعيل، مساعد سيف الإسلام القذافي، والمتهم بالتخطيط لمؤامرة محاولة اغتيال العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، والصديق الشخصي لرئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، وفقًا لـ"العربي الجديد"
وبحسب موظفين في قناة "الغد"، فإن الإمارات قررت منذ فترة إبعاد دحلان عن المشهد، بسبب التقارب الأخير مع تركيا، حيث إن أنقرة تتهمه بالتورط في الانقلاب الفاشل ضد الرئيس أردوغان عام 2016، وإسناد مهمة إدارة القناة إلى نائبه أحمد حزوري. وأضافوا أنه "بعد توطيد الإمارات علاقتها مع تركيا، لم تعد بحاجة إلى القناة، لا سيما أنها لا تحقق أي عائد مادي بل على العكس، فإنها تتطلب تمويلًا كبيرًا، ولذلك فإنه ليس مستبعدًا أن تتنازل عنها لصالح المخابرات المصرية الحليفة".
القاهرة الإخبارية
وتعود فكرة إنشاء قناة إخبارية تابعة لنظام السيسي إلى سنوات مضت عندما بدأ التفكير في إطلاق مجموعة قنوات DMC في 2016، حيث تم التعاقد مع بعض الإعلاميين والفنانين للعمل في هذه القنوات التي قيل وقتها إنّ عددها 10، بينها قناة إخبارية تردد أنها ستكون صوت الدولة الرسمي، وشبّهت بـ"قناة الجزيرة المصرية". لكن المشروع فشل بعدما أسند جهاز المخابرات رئاسة القناة إلى الإعلامية والمذيعة في التلفزيون المصري، منال الدفتار، التي وظفت طاقمًا كبيرًا للعمل، وأنفقت أكثر من مليار جنيه بحسب تقديرات بعض المتخصصين، وفي النهاية استقالت الدفتار من رئاسة المحطة، وحتى الآن لم تظهر القناة للنور.
وفي مايو من العام الماضي أعلن حسام صالح، مساعد رئيس الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، عن "مجموعة من المشروعات المستقبلية، بينها إنشاء قناة إخبارية إقليمية". وقال صالح خلال مؤتمر صحافي للشركة "إن تلك القناة ليست قناة تغطي أخبارنا في مصر، فنحن نتحدث عن تقنيات حديثة جدًا، وبدأت الأجهزة تصل، وبدأنا تجهيز الاستوديوهات والطريقة التي سنعمل بها، فطريقة عمل قنوات الأخبار العالمية مختلفة عن طريقة عمل القنوات المحلية، ومصر تستحق بقوتها الناعمة أن يكون لديها قناة عالمية".
وفي السادس من يوليو الحالي، أعلنت الشركة عن قناة جديدة تحمل اسم "القاهرة الإخبارية"، وقالت إن "الهدف منها هو الارتقاء بمستوى المحتوى الإعلامي في جميع المجالات الإعلامية، وعلى رأسها المجال الإخباري". كما أعلنت عن تدشين "قطاع أخبار المتحدة"، وقالت إنه "سيكون أحد أكبر القطاعات الإخبارية في الشرق الأوسط، ويضم قناة أخبار دولية يجري الإعداد لإطلاقها بالتزامن مع انعقاد مؤتمر المناخ، الذي تستضيفه مصر في نوفمبر المقبل".
وأضافت الشركة أن القطاع "يضم أيضا قناة أخبار إقليمية يجرى التحضير لها بالتعاون مع أكبر بيوت الخبرة العالمية، فضلًا عن تطوير شامل لقناة إكسترا نيوز، والبناء على النجاحات التي حققتها في الفترة الماضية، وإطلاق قناة إكسترا الحدث".
قلق وترقب
وسادت حالة من القلق، بين رؤساء تحرير الصحف والمواقع، بعد قرار المسؤولين في جهاز المخابرات العامة، التي تمتلك معظم المؤسسات الإعلامية في البلاد، الإطاحة ببعض الوجوه القديمة من المشهد واستبدالها بجيل جديد من الصحافيين المحسوبين أيضًا على الأجهزة الأمنية.
وشكل قرار الإطاحة بالصحافي محمود مسلم من موقعه برئاسة تحرير جريدة وموقع "الوطن"، صدمة في الوسط الإعلامي، إذ إن من المعروف أن مسلم هو أشد المقربين من اللواء عباس كامل، رئيس المخابرات العامة، وبقية المسؤولين بالجهاز، وكان صاحب حظوة في الوظائف التي شغلها، والمناصب التي حصل عليها نتيجة ولائه الشديد للنظام.
والمعروف أن مسلم بالإضافة إلى أنه كان رئيس تحرير "الوطن"، عضو معين بمجلس الشيوخ بقرار من قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، ويشغل منصب رئيس قنوات "دي أم سي" المملوكة لشركة "المجموعة المتحدة للخدمات الإعلامية" التابعة لجهاز المخابرات.

