نشرت وكالة "رويترز" تقريرًا، قالت فيه إن الرئيس الأمريكي جو بايدن فشل في تأمين التزامات أمنية ونفطية كبيرة خلال قمة جدة للأمن والتنمية التي اختتمت السبت 16 يوليو 2022.
وفقًا للتقرير، فإن بايدن أبلغ الزعماء العرب أن الولايات المتحدة ستظل شريكًا فعالًا في الشرق الأوسط، ولكنه أخفق في الحصول على التزامات بإنشاء محور أمني إقليمي من شأنه أن يشمل إسرائيل أو زيادة إنتاج النفط بشكل فوري.
واستهدفت رحلة بايدن، التي استمرت أربعة أيام إلى إسرائيل والسعودية، وهي الأولى له إلى الشرق الأوسط منذ توليه الرئاسة، إعادة العلاقات مع عملاق النفط العربي الخليجي، والتأكيد على التزام الولايات المتحدة تجاه المنطقة ومواجهة النفوذ المتزايد لإيران وروسيا والصين.
وأشار التقرير إلى أن بايدن الذي بدأ أول جولة له بالشرق الأوسط منذ توليه الرئاسة بزيارة إسرائيل، قدم رؤيته واستراتيجيته لدور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال قمة جدة.
بين رئيسين
ويضعنا الكاتب الصحافي الفلسطيني، عبد الباري عطوان، في مقارنة بين رئيسي أمريكا السابق والحالي، فيقول: إذا كان الرئيس الأمريكيّ السّابق دونالد ترامب قد عاد من زيارته القصيرة للرياض (36 ساعة) في بداية حُكمه وفي جُعبته أكثر من 460 مِليار دولار، فإنّ خلفه جو بايدن عاد إلى البيت الأبيض بعد قمّة جدّة خالي اليدين، باستِثناء بعض الاتّفاقات والوعود “الأوّليّة” التي لا تخدم بلاده، وإنّما دولة الاحتِلال الإسرائيلي، مِثل “انتزاع” تعهّد سعودي، لم يُؤكّد رسميًّا، بتبادل لشركات الطّيران السعوديّة والإسرائيليّة بعد فتح الأجواء السعوديّة أمام الطّيران الإسرائيلي مُقابل المُوافقة الرسميّة بالاعتِراف بنقل جزيرتيّ تيران وصنافير إلى السّيادة السعوديّة، وربّما رفع “الفيتو” الأمريكي “المزعوم” عن تولّي الأمير بن سلمان العرش السّعودي خلفًا لوالده.
عميد الكذابين
ويرى عطوان أن الأمير محمد بن سلمان، الحاكِم الفِعلي للمملكة تعمّد إهانة الرئيس بايدن الذي توعّد بعزله والمملكة، على أرضيّة تحميله المسؤوليّة الأولى عن اغتِيال الصّحافي السعودي جمال الخاشقجي، عندما أرسل أمير مكّة المكرّمة خالد الفيصل لاستِقباله في مطار جدّة، بينما كان وليّ العهد على رأس مُستقبلي جميع الزّعماء الثّمانية المُشاركين في القمّة، وعانقهم بحرارةٍ لافتة، في رسالةٍ واضحةٍ بالإهانة والتّجاهل إلى ضيفه الأمريكي، تمامًا مثلما فعل، بطَريقةٍ أو بأُخرى، بغريمه الآخر، رجب طيّب أردوغان الذي غادر المملكة دُونَ أن يحصل على “ريال واحد”، أو أيّ عقد باستِثماراتٍ سعوديّة تجاريّة أو عسكريّة حتّى الآن على الأقل.
ويؤكد الكاتب الفلسطيني أن بايدن أثبت أنّه “عميد الكذّابين” عندما تراجع عن أقواله وتهديداته في المِلف السّعودي وعمل عكسها، وأوّلها قوله أنّه لن يجتمع على انفِرادٍ بالأمير محمد بن سلمان، ولن يُصافحه، وسيلتقيه في اجتماعٍ عام مع المسؤولين الخليجيين المُشاركين في القمّة، ولكن ما حصل أمام عدسات التّلفزة جاء نقيضًا لكُل ذلك تمامًا، والصّور الحيّة” لا تكذب.
صفعات متبادلة
ويبدو أن قمة جدة كانت مفعمة بالصفعات من الطرفين السعودي والأمريكي، فعندما طرح بايدن قضيّة اغتيال الخاشقجي كما وعَد، وكرّر كلامه حول التِزامه بحُقوق الانسان، واعتبر عمليّة الاغتيال هذه “فظيعة”، ولكنّ هذا الكلام كان للصّحافة، والوفد الإعلامي المُرافِق له، وجاءت المُقارنة من قِبَل وليّ العهد السّعودي بين هذه الجريمة ونظيرتها باغتيال الإسرائيليين للصحافية شيرين أبو عاقلة الأمريكيّة الجنسيّة، وعدم فِعل أمريكا أيّ شيء للثّأر من قاتليها أو مُحاكمتهم أمام محكمة الجنايات الدوليّة أو عزْلهم، ردًّا سعوديًّا قويًّا ومُفْحِمًا على ضيفه الأمريكي فضح ثقافة الازدواجيّة، كما يقول عطوان.
خالي الوفاض
وإذا كان الرئيس الأمريكي قد ذهب إلى السعودية لتحقيق عدة أهداف، كما يقول الكاتب الفسطيني، ومن أبرزها: دفعها ودول خليجيّة أُخرى لزيادة إنتاج النّفط لخفض الأسعار، وتشكيل ناتو عربي خليجي إسرائيلي لمُواجهة إيران، ودمْج دولة الاحتِلال في المِنطقة من خِلال خطواتٍ تطبيعيّةٍ أوسَع، إلا أن أيًا من هذه الأهداف لم يتحقّق، فمِصر الذي شنّ إعلامها هُجومًا ساحِقًا، وغير مسبوق على الرئيس بايدن، نأت بنفسها عن هذا “النّاتو”، وتفاوضت سِرًّا مع إيران، ولن تتورّط في أيّ حربٍ ضدّها، بينما الأردن أعلن عبر وزير خارجيّته أن إيران ليست عدوًّا، وأبدَى استِعداده لفتح صفحة جديدة معها، وذهبت دولة الإمارات إلى ما هو أبعد من ذلك عندما أرسلت سفيرًا إلى طِهران لتوثيق العُلاقات معها عشيّة قمّة جدّة، وتُقيم سلطنة عُمان والكويت وقطر علاقات وثيقة مع طِهران.
لعلّ الفقرة التي وردت في خِطاب الأمير بن سلمان الافتتاحي للقمّة، وقال فيها إنّ إنتاج النفط السعودي وصل سقفه الأعلى (13 مِليون برميل يوميًّا ويشمل الاستِهلاك الدّاخلي)، أيّ أنّه لا يُمكن زيادة هذا الإنتاج مُطلقًا في المُستقبل المنظور، هذه الفقرة كانت الرّد الأبلغ والأوضح على الهدف الرّئيس الذي جاءت زيارة بايدن المُذِلَّة لتحقيقه، ولا نستبعد ارتفاعًا وشيكًا لأسعار النفط والغاز في الأيّام المُقبلة بسببها.
صفعتان
ولأن السياسة تعتمد في جزء كبير منها على الفعل ورد الفعل، فيرى عطوان أن إيران استقبلت بايدن بصفعتين: الأُولى إرسال سرب بعشرات المُسيرّات إلى الأجواء الخليجيّة في مُظاهرةِ تَحَدٍّ، والثّانية باستقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمّةٍ ثُنائيّةٍ مع رئيسها في طِهران بعد بضعة أيّام، ربّما تتحوّل إلى ثُلاثيّةٍ إذا انضمّ إليها الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، وقد تتمخّض عن حِلْفٍ إقليميّ جديد “مُضاد” للرّد بقُوّةٍ على أيّ حِلف ناتو عربي بزعامة إسرائيل ورعايةٍ أمريكيّة، وتزويد إيران بمنظومات “إس 400” الصّاروخيّة المُتقدّمة، وطائرات حربيّة حديثة، وإعادة السّيادة السوريّة إلى مُعظم، أو كُل الأراضي الخارجة عن السّيادة الرسميّة.
ويؤكد أن المُعادلات على الأرض، سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا في مِنطقة الشّرق الأوسط تتغيّر، ولمصلحة الحِلف الصيني الروسي الإيراني، ومنظومة دول “البريكس” الخُماسيّة، وأمريكا اليوم وبعد هزيمتها شِبْه المُحَقَّقة في أوكرانيا ليست أمريكا الأمس، ومن سيُراهِن عليها سيخسر حتمًا.. والأيّام بيننا.

