ما إن تمت تسمية ممثلي السلطة التنفيذية الليبية في جنيف، بعد عملية اقتراع لـ75 عضوًا، حتى بدأت ملامح المشهد السياسي الليبي القادم تتشكل، ولكن ببطء وحذر شديدين، نظرًا لتعقيد المشهد الليبي، وعدم وجود استقرار دولي وإقليمي بالإمكان المراهنة عليه، واستقطاب محلي وخريطة شرق أوسطية معقدة تشابه تعقيد لوحات بيكاسو.

ففي ليبيا لا يمكن الحسم العسكري إذا وجد توازن للقوى، ولا أحد يمتلك دعمًا خارجيًا مطلقًا، ولا شرعية راسخة بالإمكان البناء عليها، ولا رصيدًا شعبيًا يحرك الجموع، اللهم إلا وزير داخلية الوفاق فتحي باشاغا، متحصلًا عليه عن طريق نجاح نسبي عبر وزارته، وخطب رنانة في الجموع، ودعمه لمتظاهرين ضد الفساد المستشري، وقيادة منتصرة لقوات الوفاق في حرب بركان الغضب للدفاع عن العاصمة، أمام تراجع لشعبية حفتر نتيجة هزيمته في معركة طرابلس، وثراء فاحش أظهره أبناؤه الذين أورثهم بدلته العسكرية وبعضًا من الكتائب المتسلطة والألوية التي تجثم على صدر إقليم برقة.

فمن خلال ما جرى من المفترض أن نتوقع سيناريوهات قد تتجسد للسلطة الجديدة نسردها كالآتي.

السيناريو الأول: تنازلات من أجل حفتر والمليشيات المتحرشة بالسلطة في طرابلس

ما إن تم الإعلان عن الأسماء حتى بارك حفتر عن طريق الناطق باسمه أحمد المسماري تشكيل هذه السلطة، وأعطاها صفة القائد الأعلى للجيش الليبي، وفي هذا الاعتراف أمران، الأول هو أن حفتر لا يريد معارضة توافق أممي حول السلطة الجديدة، وخاصة أن وراء استحداثها أثرًا أمريكيًا واضحًا. كما أن حفتر لا يريد زيادة تحشيد التحالفات ضده، خاصة بعد وقوع انتهاكات قامت بها قواته، ومقابر جماعية خلفتها وراءها تثير انتباه العالم.

وثاني الأمرين هو تماهٍ لحفتر مع السلطة لكي تتنازل له، ويقوم هو بإدخالها للشرق الليبي، فالشرق تمامًا تحت سيطرة حفتر وداعميه الإقليميين، والمنفي (رئيس المجلس الرئاسي الجديد) كان في تكتل إسلامي فترة عضويته في المؤتمر الوطني العام، وبالتالي من الصعب إظهاره كداعم لمطالب إقليم برقة وحقوقها وممثل لها -رغم أنه مترشح عن إقليم برقة.

وسيصبح بإمكان حفتر خلال أيام معدودة عن طريق أدواته الإعلامية ومحلليه السياسيين وأذرعه القبلية أن يلبس المنفي ثوبًا إسلاميًا أو حتى إرهابيًا، ويعرضه للبرقاويين على هذا الأساس، وهو ما يمكن أن ينسف أي مبادرة أو حراك للمنفي في برقة، فلا تدخل السلطة التنفيذية الجديدة برقة إلا عن طريق حفتر، ولك أن تتخيل الثمن الذي من الممكن أن يُدفع من أجل تأشيرة دخول يُعطيها حفتر.

أما في غرب البلاد فلا جديد يذكر، ولكن قديمٌ قد يعاد، بأن تعود المليشيات المتحرشة بالسلطة في طرابلس لسابق نفوذها وعملها ونشاطها، بعد أن عمل باشاغا، وزير داخلية الوفاق، على تحجيمها وتجفيف منابعها خلال فترة العدوان على طرابلس وبعده، ومن المتوقع أن تبتز هذه المليشيات حكومة المنفي والدبيبة، فإما أن تختلس وتنهب وتستغل موارد الحكومة، أو أن تغرقها في أزمات لا حصر لها، تعرقل عمل الحكومة في تنفيذ استحقاقاتها.

السيناريو الثاني: عقيلة صالح يجمد عمل الحكومة

الفارق بين الصخيرات وجنيف هو في مشروعية الحكومة، فالصخيرات التي أتت بحكومة الوفاق الوطني أتت باتفاق سياسي وقرار أممي، لكن حكومة الوحدة الوطنية سيتم اعتمادها من مجلس النواب أو من أعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي، وهو ما يسهل نظريًا الانقلاب عليها من أي طرف يحتكر القوة، أو عزلها وعدم تزكيتها والطعن في مشروعيتها، والدخول في دوامة خطيرة قد تؤزم الموقف السياسي المتأزم أساسًا.

انشقاقات مجلس النواب بين حمودة سيالة (رئيس مجلس النواب المنعقد في طرابلس) وعقيلة صالح، وبين دعوة للاجتماع في طرابلس وثانية للانعقاد في طبرق وأخرى عن طريق وفاقيين اقترحوا مدينة صبراتة، ستكون العصا التي ستوقف عجلة دوران الحكومة، وبالإمكان التغلب عليها فقط في حال إرضاء المؤثرين بمناصب حكومية وحقائب وزارية مهمة، وهنا يكون السؤال كم هو عدد تلك الحقائب التي ستكفي تكتل صالح وسيالة والكتلة الوفاقية وحفتر والأحزاب المتواجدة في المشهد والدول اللاعبة في المشهد الليبي؟

أما في حال تجاوز مجلس النواب والذهاب إلى الـ75 عضوًا بملتقى الحوار السياسي الليبي، فهنا أيضًا ستتغير التشكيلة لتنال رضا تكتلات الـ75، خاصة أن قائمة المنفي فازت بفارق طفيف على قائمة صالح، لذا فإن قبولها سيكون على المحك ومحل جدل واسع، وقد لا يبصر النور بسهولة، نظرًا لغياب قاعدة دستورية وتجذر حكومتي الوفاق والمنفي في الغرب والشرق الليبي، وقد لا تغرينا ترحيبات دولية من رؤساء وحكومات دولية وإقليمية، ستكون في أزمة وضع الحكومة، بين فرضها كأمر واقع وبين سيرها على نهج سليم.

السيناريو الثالث: التعاون مع باشاغا وجويلي

قد يرى الدبيبة أنه من الأصلح استمرار باشاغا (منافسه على الحكومة)، واللواء أسامة جويلي (رئيس غرفة عمليات بركان الغضب) في سابق عملهما، وضرورة وجودهما في تشكيلته الحكومية، وهذا أمر منطقي للإسهام في إنجاح الحكومة، لكن هذا سيغضب حفتر وعقيلة صالح، وستبقى الحكومة مشلولة الحركة في برقة، وحتى إذا نالت الحكومة ثقة البرلمان، وهذا سيكون صعبًا للغاية، أو نالت الثقة من الـ75 فإنها ستواجه موجات من الاستقطاب الإقليمي المحلي، وحركات لِليّ ذراعها عن طريق إغلاق تصدير النفط، وربما تنتهي بإعلان الانفصال بين الأقاليم، لأن فكرة تجديد هجوم حفتر على إقليم طرابلس للسيطرة على كل ليبيا أصبحت شبه مستحيلة؛ نتيجة إنهاك قواته، وفشله الذريع في القيادة في حربه عام 2019، والعدد الفلكي للقتلى والأسرى الذي تكبدته قواته، لذا سيكون الانفصال أسهل الحلول، مع وجود دور للدول الداعمة لهذا الخيار كالإمارات وروسيا ومصر.

لذا فلتكسير كل ما سبق، على الدبيبة إشراك حفتر وصالح أيضًا في حكومته، وهنا سيحتاج إلى أن يكون محظوظًا، بأن يرشح حفتر وعقيلة شخصيات غير جدلية من التكنوقراط، لتمر السفينة من أرخبيل الصعوبات هذا بسلام.

السيناريو الرابع: دعم أمريكي

من الواضح من خلال ما نراه في المشهد أن إقليم برقة وحفتر، وحتى النظام المصري الجار لإقليم الشرق الليبي، يبحثون عن طريقة لإخراج الدب الروسي المتيم بالصحراء الليبية الدافئة، الذي أدخله حفتر منتحرًا بمستقبله السياسي، وربما نجد ضغطًا أمريكيًا قد يكون دبلوماسيًا تارة أو عسكريًا تارة أخرى لإبعاد الفاغنر عن ليبيا.

هنا سيكون من المهم دعم حكومة الدبيبة دوليًا، وتحقيق رضا اجتماعي على الأرض، خاصة في برقة، مكان تواجد فاغنر، والبدء في مفاوضات حقيقية مع روسيا لإجلاء هؤلاء المرتزقة، الذين نشروا منظومات إس 300 ويمتلكون طائرات ميغ 29، والذين تمادوا أكثر من اللازم فترة حكم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في مناطق النفوذ الأورو أمريكي، ولكن يبقى خيارًا ضعيفَ الاحتمالية، نظرًا لتوسع الكرملين في ليبيا والسودان وقره باغ وموزمبيق وسوريا، واحتلال شبه جزيرة القرم الروسية، ولعزل ستيفاني ويلمز الأمريكية، رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن منصبها، وتعيين السلوفاكي يان كوبيش بديلًا لها، والذي قد لا يحظى بذات الزخم الذي تحصلت عليه ويليامز.

هذا الخيار كان قد يكون سهل التنفيذ حال فوز قائمة عقيلة وجويلي وسيف النصر وباشاغا بشخصيات مقربة من مصر وتركيا والولايات المتحدة، لكنه أيضًا لن يخلو من العراقيل، فمن الضرورة لإخراج الروس تقديم ضمانات أكثر لبرقة، التي تخشى تعاظُم الدور التركي المناوئ لها.

حكومة الوحدة الوطنية الليبية أمام نجاح باهر أو إخفاق قد لا يرجع البلاد لدرجة الاحتراب مجددًا، بل قد يتعاظم لحدوث إفلاس وانهيار مالي واقتصادي كامل، والمطالبة بانفصال إقليمي، نظرًا لأن الهُوة قد توسّعت بشكل كبير بين طرابلس وبنغازي وسبها.