اقتحم عشرات المستوطنين الإسرائيليين، أمس الإثنين، باحات المسجد الأقصى في مدينة القدس الشرقية، وسط محاولات لأداء طقوس دينية، وذلك بعد قرار محكمة الصلح الإسرائيلية، أمس الأحد، السماح للمتطرفين بأداء الطقوس الدينية اليهودية في المسجد الأقصى، بـ"صوت عالٍ" والقيام بما يشبه الركوع أثناء اقتحامهم لباحات المسجد الأقصى.
وقد يمثل هذا القرار بداية تقسيم الحرم القدسي، كما جرى في الحرم الإبراهيمي بالخليل، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى أزمة كبيرة تصل إلى احتمال اندلاع حرب واسعة.
واعتبرت وزارة الخارجية الفلسطينية، أن القرار "إعلان للحرب الدينية وانقلاب على الوضع القائم"، وقال الأردن إنه "باطل ومنعدم الأثر القانوني"، فيما قالت حركة "حماس"، إنه "لعب بالنار، وتجاوُز لكل الخطوط الحمر".
وأعلنت الحكومة الإسرائيلية، مساء الأحد، أنها ستستأنف ضد قرار محكمة الصلح، وقال بيان لسكرتارية الحكومة الإسرائيلية: "لا يوجد أي تغيير في الوضع القائم بجبل الهيكل/الحرم الشريف (المسجد الأقصى) ولا يخطط للقيام به".
وأردف البيان: "قرار محكمة الصلح يتناول مسألة سلوك القاصرين (إسرائيليون اعتُقلوا وأُبعدوا عن المسجد الأقصى بسبب أدائهم الصلوات بصوت عال) التي طرحت عليها فقط، وليس من شأنه أن يشكل قراراً أوسع بشأن حرية العبادة".
لكن قرار المحكمة اليهودية سيؤدي إلى أحد السيناريوهين الآتيين:
السيناريو الأول - التقسيم الزماني والمكاني للأقصى
ويعد هذا الحكم هو الثاني للمحكمة نفسها التي اتخذت قراراً مشابهاً في أكتوبر 2021، لكنه كان متعلقاً بالسماح للمستوطنين بأداء الصلاة في الأقصى بصمت، قبل أن تتطور المكاسب التي يحققها المستوطنون في حكم الأمس إلى أدائها بصوت عالٍ مع ممارسة حركات شعائرية بشكل مباشر، وهو التطور الذي أدى إلى استفزاز الفلسطينيين بشكل واضح.
والتقسيم الزماني والمكاني للأقصى يُقصد به تخصيص أماكن بعينها في المسجد الأقصى يقتطعها الاحتلال ويحوّلها لكنس يهودية بحجة أداء المستوطنين طقوساً دينية فيها، فخلال الفترات السابقة قام الاحتلال بتحديد طرق ومسارات خاصة لمستوطنيه عند اقتحامهم للأقصى وفق التقسيم المكاني الذي من خلاله يبسط الاحتلال سيطرته بالقوّة على جميع الساحات الخارجية للمسجد الأقصى، أما الأماكن المسقوفة مثل مصلّى قبّة الصخرة والمصلّى المرواني فتكون للمسلمين، ويشمل هذا التقسيم مخطّطات لبناء الكنيس اليهودي والهيكل.
وكشف المختصون عن وثيقة وخارطة لتقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً بكامل تفاصيلها الدقيقة والخطيرة قام بإعدادها نشطاء من حزب الليكود عام 2013 يطلقون على أنفسهم اسم "منهيجوت يهوديت" (أو قيادة يهودية)، يتزعّمهم "موشيه فيجلين" نائب رئيس الكنيست آنذاك؛ ويحمل المُقترح اسم "مشروع قانون ونُظم للمحافظة على جبل الهيكل كمكان مقدّس".
وسيصبح المسجد الأقصى بذلك تابعاً لوزارة "الأديان" الإسرائيلية ضمن المواقع المقدّسة اليهودية وتحت صلاحيات هذه الوزارة وضمن حدود قوانين الأماكن المقدّسة اليهودية.
وحسب "الوثيقة" فإن المقترَح يعمل على تقسيم المسجد الأقصى بين المسلمين واليهود ويُحدّد مساحات لكل منهما، ويعتبر مساحة المسجد الأقصى بالكامل مقدّساً يهودياً يطلق عليه "جبل البيت".
تقسيم المسجد الإبراهيمي
بعد أن وقعت مدينة الخليل تحت الاحتلال الإسرائيلي بعد نكسة يونيو 1967، شرع المستوطنون الإسرائيليون في الاستيطان بمحيط المدينة ثم في داخلها، وقاموا بالاعتداء على المسجد الإبراهيمي مرات عديدة بهدف تحويله إلى معبد يهودي، بحماية مباشرة من القوات الأمنية الإسرائيلية.
وفي فجر يوم الجمعة منتصف رمضان 25 فبراير 1994، وقع أشهر الأحداث التي يعرف بها الحرم: مذبحة الحرم الإبراهيمي.
فلقد دخل الإرهابي الصهيوني باروخ غولدشتاين المسجد الإبراهيمي بإذن القوات الإسرائيلية عندما كان المسلمون يصلون صلاة الفجر، حاملاً معه بندقية آلية وعدداً من الذخائر المجهزة، وفتح النار على المصلين، مما أدى على الفور إلى استشهاد 29 فلسطينياً، وإصابة أكثر من 15 آخرين بجروح قبل أن يستطيع المصلون الوصول له وقتله.
وبعد المجزرة شكلت لجنة لتقصي الحقائق باسم "لجنة شمغار"، والتي خرجت بتقريرها بعد 4 أشهر بإدانة عامة للمجزرة، وبرأت الحكومة والجيش الإسرائيليَّين من التواطؤ.
وقد خرجت اللجنة بتوصيات عديدة، كان أخطرها تقسيم الحرم الإبراهيمي بين المسلمين واليهود. وحوَّل الاحتلال جزءاً من المسجد إلى كنيس يهودي فأصبح 60% من مساحته لليهود، والباقي للمسلمين، وقام بفصل هذين الجزأين عن بعضهما بحواجز وبوابات حديدية محكمة، ووضع فيها ثكنات عسكرية للمراقبة.
وتنشر السلطات الإسرائيلية 22 حاجزاً حول الحرم الإبراهيمي، منها تقريباً 6 حواجز تعيق دخول المصلين إلى المسجد، بجانب المضايقات التي يواجهها الزوار الذين يزورون المسجد من الجانب الفلسطيني.
السيناريو الثاني - احتمال الحرب يتزايد
وتسببت الانتهاكات الإسرائيلية بالمسجد الأقصى وحي الشيخ جرّاح وسط القدس، في مايو 2021، في اندلاع مواجهات عسكرية بين إسرائيل والفصائل في قطاع غزة استمرت 11 يوماً، وهو أمر قد يتكرر إذا تواصلت الانتهاكات الإسرائيلية بحق المسجد الأقصى.
وخلال مؤتمر عقدته حركة "حماس"، الأحد الماضي، في مدينة غزة، بمناسبة مرور عام على معركة "سيف القدس"، قالت "الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية"، إنها "ستقف بحزم" أمام مسيرة الأعلام الإسرائيلية، المُقرر تنظيمها في 29 مايو الجاري.
جاء ذلك في كلمة للغرفة المشتركة (تضم الأذرع العسكرية للفصائل الفلسطينية، باستثناء حركة "فتح").
وأضاف شخص مُلثّم (لم يكشف عن هويته)، في كلمة الغرفة: "الشعب الفلسطيني لن يسمح، بالمُطلق بكسر قواعد الاشتباك والعودة لمربع الاستفزازات الذي قُلنا فيه كلمتنا بكل قوة (في إشارة لمعركة مايو)".
ودعا إلى "تضافر كافة جهود الشعوب وقوى المقاومة، والاستعداد للمعركة المقدسة التي تُعيد لفلسطين والقدس والأسرى والشعب الكرامة والحرية".
بدوره، حذّر إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، إسرائيل، من تداعيات السماح لمسيرة، يُنظّمها "مستوطنون متطرفون"، بالمرور بالمسجد الأقصى، ومدينة القدس.
وقال في كلمة مُسجّلة، تم بثها خلال المؤتمر: "قرارنا واضح لا تردد فيه، ولن نسمح مطلقاً باستباحة المسجد الأقصى والعربدة في شوارع القدس".
وكشفت مصادر فلسطينية مطلعة، مساء الأحد، أن فصائل المقاومة نقلت رسائل عاجلة للوسطاء، أكدت فيها أنها مستعدة للدفاع عن المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية مهما كلفها ذلك من ثمن، وأنه لا يمكن بكل الأحوال الصمت إزاء هذه التطورات، التي تأتي بعد أيام من السماح بمخطط ما يسمى "مسيرة الأعلام" الاستفزازية، التي سمح بأن تمر من البلدة القديمة خاصةً باب العامود، ودعت الوسطاء إلى التحرك الجدي لمنع أي تصعيد قد يؤدي إلى اشتعال الأوضاع.

