عقد حلف شمال الأطلسي "الناتو" اجتماعًا رفيع المستوى، الخميس 24 مارس، بحضور قادة الدول الأعضاء وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، كما ألقى الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي كلمة عبر الفيديو دعا خلالها إلى دعم أوكرانيا بـدون قيود.
وكان لزيلينسكي ثلاثة مطالب يبدو أن بعضها لن يتحقق، وربما يتحقق البعض الآخر بعد شهور أو سنوات، وهي: فرض حظر طيران على أوكرانيا، وفرض عقوبات اقتصادية أشد وخاصة حظر استيراد النفط والغاز الروسيين، والانضمام للاتحاد الأوروبي.
رفض حظر الطيران
طالب زيلينسكي بفرض حظر طيران على أوكرانيا لحماية المدنيين من القصف الروسي، وأيضًا لحماية محطات الطاقة النووية، بعد القصف الروسي الأخير لمحطة زابوريزجيا للطاقة النووية، إلا أن هناك رفض من قبل القادة الغربيين؛ خوفًا من إشعال حرب أوسع في أوروبا.
ويُعَدّ حظر الطيران أهم أشكال العقوبات التي يفرضها مجلس الأمن بعد تصويت أغلبية الأعضاء، وفي حال لم تستخدم أي من الدول دائمة العضوية (الفيتو)، علما أن روسيا أحد الأعضاء الخمسة الدائمين.
ويتم تحديد منطقة حظر الطيران لحماية المنطقة المحظورة ومنع الطائرات من شن الهجمات الجوية والقصف، كما يمكن إسقاط الطائرات أو إطلاق النار عليها في حال دخولها المنطقة.
وفي هذا الصدد، قالت الدكتورة نورهان الشيخ، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن المجال الجوي الأوكراني بالكامل تحت السيطرة الروسية، وحوالي 80% من المنافذ البحرية الأوكرانية تسيطر عليها القوات الروسية الآن، لذلك أيا كانت الإجراءات التي ستتخذ من قبل اجتماع حلف الناتو فهي معروفة.
ما تداعيات حظر الطيران على الغرب؟
يتطلب حظر الطيران وجود قوات عسكرية على الأرض مثل منظمة حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وقد تنطوي على اشتباكات عسكرية مباشرة مع روسيا.
سيتعين على الناتو نشر الطائرات المقاتلة إضافة لناقلات تزويد للوقود وطائرات مراقبة إلكترونية لدعم المهمة. ولحماية هذه الطائرات البطيئة التي تحلق على ارتفاع عالٍ، سيتعين على الناتو أيضًا تدمير بطاريات صواريخ أرض/جو في روسيا وبيلاروسيا.
واستبعد ينس ستولتنبرغ، الأمين العام للناتو، الجمعة، فرضه منطقة حظر طيران في أوكرانيا، قائلا لوكالة فرانس برس: " نحن نتفهم اليأس، لكننا نعتقد أنه إذا فرضنا حظرًا للطيران، فسننتهي بحرب كاملة في أوروبا".
وأضاف ستولتنبرغ: "لدينا مسؤولية كحلفاء في الناتو لمنع تصعيد الحرب خارج أوكرانيا".
أمثلة سابقة لحظر الطيران
• فرضت الولايات المتحدة وشركاؤها في التحالف الدولي، منطقتين حظر الطيران في العراق في عام 1991 وبعد حرب الخليج.
• أصدرت الأمم المتحدة قرارًا بحظر الطيران العسكري في المجال الجوي البوسني، عام 1992.
• صوت مجلس الأمن في الأمم المتحدة لفرض حظر الطيران على ليبيا في عام 2011.
برز عقيد الجيش الأميركي المتقاعد، دوغلاس ماكغريغر، كأحد العارفين بحدود القوة الأمريكية، وتحذيره لها من الإمعان في مخطط الصِّدام الحتمي مع روسيا. وأوضح مؤخرًا أن هدف صنّاع القرار في "واشنطن يرمي إلى إطالة أمد الحرب إلى أقصى مدى، علّها تؤدي إلى إطاحة الرئيس بوتين".
وأضاف "بالنسبة إلى الجيش الروسي، معضلته الأساسية، في البداية، كانت تحقيق طلب التقدم من دون إحداث قدر كبير من الدمار ومن إيقاع خسائر بشرية، الأمر الذي يُنشئ وهمًا ببطء التقدم، والذي يستغله الغرب والعالم أجمع، من أجل ترويج أن الخسارة حليفة روسيا" (مقابلة مع شبكة "أي أس بي" للشؤون العسكرية (ASB Military News)، الـ18 من مارس 2022).
عقوبات اقتصادية
هناك بعض الدول تطبق عقوبات اقتصادية كبيرة على روسيا مثل بريطانيا التي أعلنت أن العقوبات التي فُرضت على الاقتصاد الروسي جاوزت مبلغ 500 مليار إسترليني من أموال روسيا ورجال أعمالها.
إلا أن هناك دولا أوروبية أعلنت أنها من الصعب أن تفرض عقوبات اقتصادية أخرى على روسيا وخاصة حظر النفط والغاز الروسيين، لذلك قمة الاتحاد الأوروبي ستكون أصعب من قمة حلف الناتو إذا تم طرح تشديد العقوبات على روسيا.
ومن الدول التي رفضت مزيدًا من العقوبات على روسيا كانت المجر ومقدونيا وألمانيا وإيطاليا، كما أن هناك مظاهرات خرجت في الشوارع الإيطالية وغيرها من دول أوروبا للمطالبة بالخروج من نظام العقوبات على روسيا، بسبب الأزمة التي تفرضها هذه العقوبات على اقتصادات البلاد، خاصة الشركات الإيطالية العاملة في روسيا والتي تجاوزت خسائرها الـ 10 مليارات دولار، أو بالنسبة للقطاع العامل الذي تذهب منتجاته إلى روسيا".
الانضمام للاتحاد الأوروبي
بعد أن وقّع الرئيس فلوديمير زيلينسكي، طلب الانضمام للاتحاد الأوروبي، قابل الأوكرانيون ذلك باحتفاء واسع على الرغم من ظروف الحرب التي كانوا يعيشون فيها.
وبعثت 8 دول (من شرق أوروبا والبلطيق) رسال مفتوحة للاتحاد الأوروبي؛ لتمكين كييف من الحصول على عضوية الاتحاد عبر تقديم أقصى درجات الدعم لها، وهي (إستونيا وبلغاريا والتشيك ولاتفيا وليتوانيا وبولندا وسلوفاكيا وسلوفينيا).
وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، تأييدها لانضمام أوكرانيا، وكذلك رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا، التي أكدت ترحيب البرلمان. فيما تنتظر كييف إجراءات معقدة حتى إتمام الانضمام الذي من المرجح أن يتسغرق الأمر وقتًا قد يصل إلى سنوات، طبقًا لمحددات وضوابط الانضمام للاتحاد.
مخاطر الانضمام
لكن الغرب أدرك أن خطوة من هذا القبيل في الوقت الراهن محفوفة بالمخاطر.
وتحفظت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، حيال سرعة انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وفى أعقاب لقائها مع نظيرها السلوفيني، انزى لوجار، قالت إن الكل يعلم أن "الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ليس شيئًا يتم في بضعة شهور".
وأضافت بيربوك أن مثل هذا المشروع يتطلب عملية تحول جذرية ومكثفة، وأكدت أن "أوكرانيا جزء من بيت أوروبا"، لافتة إلى أن الاتحاد الأوروبي دائمًا ما كان بيتًا مفتوح الأبواب، وقالت إنه "لا توجد عزلة من جانب الاتحاد الأوروبي".
وقالت شبكة "بلومبرج" الإخبارية الأمريكية، نقلًا عن مصادر دبلوماسية، إن عددًا من دول غرب أوروبا الأخرى تعارض دعوات منح أوكرانيا صفة المرشح لعضوية الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع، في خطوة أولى على طريق طويل لنيل العضوية.
وقالت المصادر - الذين لم تكشف الشبكة هوياتهم- إن هولندا وبلدان أخرى يريدون أولا أن تقدم المفوضية الأوروبية (الذراع التنفيذية للاتحاد) رأيها بشأن مدى استعداد أوكرانيا لعملية الترشيح لنيل العضوية.
شراء الوقت
ووفقا لـ"بلومبرج"، تتضمن السيناريوهات المحتملة اتفاق قادة الاتحاد على دعم منح أوكرانيا صفة المرشح وبدء عملية طويلة للتفاوض على العضوية الكاملة، أو شراء الوقت بإحالة الأمر للمفوضية الأوروبية، أو التوصل لتسوية، كالإقرار بعلاقة طويلة الأمد مع أوكرانيا دون دعم رسمي لصفة المرشح، وقد يطلب القادة من المفوضية تقديم الرأي بشأن ترشح كييف لعضوية الاتحاد بشكل أسرع من المعتاد كنوع من إظهار الدعم السياسي للأوكرانيين، وقد تستغرق هذه العملية ما بين 15 و18 شهرًا.
من جانبه، اعتبر الصحفي الخبير في الشؤون الأوروبية جان كواتريمير، بمقاله في صحيفة "ليبيراسيون" الفرنسية، بأن ضم أوكرانيا قد يمثل انتهاكًا للقانون الأوروبي وأن دخولها في الزمن المنظور إلى النادي المغلق بإحكام للدول السبعة والعشرين يبدو غير واقعي.
أضاف أن انضمام أوكرانيا الفوري يعنى إقحام الاتحاد الأوروبي في حالة حرب طبقًا لما تنص عليه مادة من معاهدة لشبونة 2007 والتي تطرقت إلى "شرط المساعدة المتبادلة" كما هو وارد أيضًا في المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي حول مبدأ الدفاع الجماعي، والتي تقول إن أي هجوم على دول عضوة يعتبر هجومًا على كافة الأعضاء.

