تسبب الغزو الروسي لأوكرانيا إلى ترك ما لا يقل عن 2.7 مليون لاجئ منازلهم والفرار عبر الحدود هربًا من قذائف الجيش الروسي، بينما تتوقع الأمم المتحدة أن يصل هذا العدد إلى خمسة ملايين في نهاية هذا الشهر.
وأظهرت تقارير صحافية أن هناك فروقًا في التعامل مع اللاجئين الأوكرانيين حاليًا واللاجئين من منطقة الشرق الأوسط.
لاجئو أوكرانيا
أجمع وزراء داخلية دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل على ضرورة توفير حماية مؤقتة للأوكرانيين الهاربين من الحرب في بلادهم، وذلك من خلال اللجوء إلى مذكرة تعود إلى العام 2001 تسمح لهم بالبقاء لمدة تصل إلى ثلاث سنوات في الاتحاد الأوروبي وبالعمل فيه.
واعترضت بعض الدول مثل بولندا والنمسا على استقبال اللاجئين الذين فروا من أوكرانيا لكنهم لا يحملون الجنسية الأوكرانية، وتردد الوزير النمساوي غيرهارد كارنر حيال شمول هذا التدبير اللاجئين غير الأوكرانيين.
في حين رفضت لوكسمبورغ أي تمييز، وقال وزير خارجيتها يان اسلبورن "أتوقع أن نقرر حماية مؤقتة لجميع الأفراد الآتين من أوكرانيا، مهما كان لون بشرتهم ولغتهم أو ديانتهم، علينا ألا نمارس تمييزًا الآن".
ورحبت الحكومة البولندية بالفارين من الحرب في أوكرانيا، لكنها تعرضت قبل أشهر قليلة مضت لانتقادات دولية حادة لصدها موجة طالبي اللجوء من بيلاروسيا، الذين ينحدر أغلبهم من الشرق الأوسط وإفريقيا.
هذا الإجماع الأوروبي على الترحيب باللاجئين الأوكرانيين، اتضح بعد أيام قليلة فقط من بدء الحرب على أوكرانيا، إذ بدأ الاتحاد الأوروبي بالتفكير بإجراءات ستسمح للأوكرانيين بالحصول على تصاريح إقامة مؤقتة إضافة لإمكانية الحصول على وظائف وخدمات رعاية اجتماعية.
وصدرت عن مسؤولين وسياسيين أوروبيين العديد من التصريحات المرحبة بالأوكرانيين كلاجئي حرب في عموم الدول الأوربية. كان من بينها تصريح للرئيس البلغاري رومين راديف الذي قال "لا توجد دولة أوروبية واحدة الآن تخشى الموجة الحالية من اللاجئين".
من جهتها قالت مفوضة الشؤون الداخلية بالاتحاد الأوروبي إيلفا جوهانسون إن معظم الأوكرانيين الوافدين لديهم جوازات سفر بيومترية ويمكنهم البقاء بدون تأشيرة لمدة 90 يوما في الاتحاد الأوروبي، ولكنها شددت على ضرورة الاستعداد بعد ذلك لوصول "ملايين" الوافدين، وفقًا لـ"مهاجر نيوز".
وبينما تسمح المجر الآن للأوكرانيين بالعبور عبر أجزاء من الحدود كانت مغلقة، فإن رئيس وزرائها المتشدد، فيكتور أوربان، وصف اللاجئين في السابق بأنهم تهديد لبلاده واتُهمت حكومته بحبسهم وتجويعهم.
وقال المستشار النمساوي كارل نهامر "بالطبع سنستقبل لاجئين إذا لزم الأمر".
الخدمات المقدمة للأوكرانيين:
وقدمت دول الاتحاد الأوروبي للأوكرانيين صفة الحماية المؤقتة عبر إجراءات ميسرة أصدرها في غضون عشرة أيام، وأعطت لهم حزمة من المزايا، منها: سفر حر ومجاني (إقامة في دول الاتحاد لمدة عام واحد دون تأشيرة)، كما منحتهم تصريح إقامة، وسلمتهم إذن عمل، واتفقوا على تعليم اللاجئين الأوكرانيين في مدارسهم وجامعاتهم، وقدموا لهم كافة الخدمات الصحية، وكذلك المساعدات الاجتماعية، ومساعدات الإسكان، وأتاحت لهم الاتصالات بالمجان، وفقًا لـ"الأناضول".
لاجئو الشرق الأوسط
بالعودة إلى سنة 2015، حين اشتداد أزمة اللجوء السورية، فقد كانت ألمانيا في طليعة الدول التي استقبلت سوريين فارين من الحرب وفتحت أبوابها لنحو مليون طالب لجوء خلال أزمة الهجرة التي باغتت الدول الأوروبية.
القرار الذي اتخذته ميركل حينها، لاقى في البداية ترحيباً، لكن سرعان ما انقلبت الأمور وخاصة بعد أحداث ليلة رأس السنة في مدينة كولن، ليصبح استقبال اللاجئين غير محبذ لدى البعض، وخرجت تظاهرات ضده في العاصمة الألمانية برلين تعبيراً عن رفض سياسة المستشارة تجاه اللاجئين. كما كان موقف أحزاب اليمين المتطرف صارمة جداً، وعبروا صراحة عن رفض استقبال اللاجئين في بلادهم.
وخلال العقد الأخير امتنعت بعض الدول الأوروبية عن استقبال لاجئي سوريا الفارين من أراضيهم، وشرعت الدنمارك، التي يعيش فيها حوالي 44 ألف سوري، منذ نهاية يونيو 2020، في عملية واسعة النطاق لإعادة النظر في منح السوريين تصريحات إقامة، والقرار هو الأول من نوعه لدولة في الاتحاد الأوروبي.
وفي 28 مارس 2021، عرضت شبكة التلفزة الأوروبية «أورونيوز» قصة 56 شخصاً وصلوا إلى جزيرة ليسبوس اليونانية، قادمين من أفغانستان وبلدان إفريقية، في الوقت ذاته الذي كان وباء «كورونا» قد أخذ ينتشر عبر أوروبا. ووجد هؤلاء اللاجئون البائسون الفارين من الحرب والبؤس أنفسهم من دون أي حماية أو مساعدة، أو حتى أمل بوصول مساعدة في وقت قريب. ونقلت الشبكة عن لاجئ أفغاني قوله إن هذه المجموعة من الناس عانت الأمرين طوال أسبوعين من دون أي مساعدة.
قبل أشهر فقط من الحرب الروسية الأوكرانية، بالضبط خلال أغسطس 2021، ناقش الاتحاد الأوروبي، أهمية الحرص على تجنب تدفق المهاجرين الأفغان "بشكل غير مضبوط" بعد سقوط كابل في يد طالبان وبسط سيطرتها على البلاد.
كانت تصريحات المسؤولين الأوروبيين، تصب في اتجاه مساعدة الدول المجاورة لها على استضافة اللاجئين الفارين من طالبان عوضًا عن استقبالهم؛ فدعم الدول المجاورة لأفغانستان من أجل استضافة لاجئين فارين من طالبان، سيجنب أوروبا تدفق المهاجرين.
الدول الأعضاء ضمن الاتحاد عبرت عن قلقها من خطر الإرهاب، وتعهدت بـ"بذل جهدها لضمان ألا يؤدي الوضع في أفغانستان إلى مخاطر أمنية جديدة على مواطني الاتحاد الأوروبي". كما كان هناك تشديد على وجوب "تنفيذ عمليات البحث الأمني في الوقت المناسب حول من تم إجلاؤهم من أفغانستان".
وتشير العديد من التقارير إلى تعرض أشخاص من جنسيات مختلفة، من غير الأوكرانيين، إلى التمييز، وانتشرت تدوينات ومقاطع مصورة لعرب وأفارقة وهنود وغيرهم يقولون إنهم مُنعوا من العبور وقيل لهم إن "الأولوية للأوكرانيين"، ونُقلت عنهم شهادات عن تعرضهم للمعاملة الخشنة والممارسات العنصرية، وفقًا لـBBC".
وتعد حادثة وفاة الطالب الهندي نافين شيخاربا في خاركيف، ثاني أكبر مدينة في أوكرانيا، مثالًا على ذلك، إذ اشتدت بعدها الاحتجاجات على إجلاء غير الأوكرانيين من البلاد.
الخدمات المقدمة للقادمين من الشرق الأوسط:
أما عن الخدمات الأوروبية المقدمة للقادمين من مناطق النزاع في سوريا وأفغانستان والعراق وإفريقيا، فإنها تختلف كلية عن تلك المقدمة للأوكرانيين، وهذه أهمها:
للوصول إلى دول الاتحاد الأوروبي عليهم أولا اجتياز مخاطر السفر في البحر وعمليات إجبارهم على العودة، ثم يتقدم الواحد منهم بطلب اللجوء، ويمرون بمرحلة طويلة لدراسة هذا الطلب، ويتلقون خدمات السكن المؤقت والغذاء والصحة والتعليم لحين قبول طلبهم، كما يمكنهم الحصول على إذن عمل بعد 9 أشهر من تاريخ التقديم، وفقًا لـ"الأناضول".
ازدواجية المعايير
اليوم، يتساءل اللاجئون والحقوقيون من مختلف البلدان التي عاشت حروبًا وأزمات، الدول الأوروبية عن ازدواجية معايير تضامنها مع اللاجئين. ومما عمّق من جرح المقارنة، التصريحات التي بثت على قنوات عالمية، تحدث خلالها سياسيون وإعلاميون أوروبيون بألفاظ عنصرية في مقارنتهم بين اللاجئين الأوكرانيين المتحضرين، عكس الآخرين الذين رسمت صورة قاتمة عن مستواهم الفكري والتعليمي.
وبينما تعرض فرص الشغل على الكفاءات الأوكرانية الفارة من الحرب، يتساءل الكثيرون عن تلكؤ أوروبا في الاستعانة بآلاف الأطباء السوريين، الذين مازالوا يعيشون عالة على دول أوروبية بسبب البيروقراطية وشروط تعجيزية تحول دون ممارستهم مهنة يحتاج الأوروبيون مختصين فيها، ويسعون لاستقطاب المتمرسين فيها من بلدان خارج الاتحاد.

