يبدو أن فرحة أهالي الجانب الشرقي من مدينة الموصل (425 كم شمال العاصمة بغداد) بالخلاص من سيطرة تنظيم داعش لم تدم طويلاً، حيث باتوا يواجهون مشاكل أكثر تعقيداً، في مقدمتها دخول "ميليشيات" إلى مناطقهم، وممارسة أعمال على أسس اعتبرها مختصون "طائفية" بين سكان غالبيتهم من السُنة.

من بين هذه الممارسات، اعتقال مواطنين "أبرياء"؛ بدعوى تعاونهم مع "داعش"، واختطاف أغنياء للحصول على فدية مالية، فضلاً عن عمليات سلب ونهب لمنازل ومحال تجارية؛ ما أفقد الكثيرين الثقة بالمنظومة الأمنية، وفق متضررين وخبراء اعتبر بعضهم أن ما يجري يستهدف إحداث تغيير ديموغرافي في المدينة، البالغ عدد سكانها نحو 1.5 مليون نسمة.

وقال رئيس "منظمة العدالة الإنسانية" (أهلية)، عبد القادر خليل، إنه "جرى تسجيل أكثر من حملة اعتقال لمواطنين أبرياء لا علاقة لهم بـ(داعش) نفذتها قوات ترتدي الزي العسكري الرسمي، وتستقل عجلات (سيارات) حكومية، وتنتمي إلى الميليشيات بحسب الشعارات التي ترفعها".

ومنذ 17 أكتوبر الماضي، يواجه "داعش" عملية عسكرية عراقية، بدعم من التحالف الدولي، أفقدت التنظيم السيطرة على الجانب الشرقي من المدينة، فيما يحاول حالياً الحفاظ على جانبها الغربي.


فقدان الثقة بالمنظومة الأمنية

بدوره، قال محمود علي الحداد، رئيس رابطة "حرية الموصل وكرامتها" (أهلية)، إن "المدنيين في المدينة بدأوا يخشون من القوات الأمنية، كما كان الوضع قبل أحداث (يونيو 2014"، أي قبل انسحاب القوات الأمنية العراقية وسيطرة داعش على الموصل، مركز محافظة نينوى (شمال).

وتعزو القوى السُنية في العراق ظهور "داعش"، واكتساحه العديد من المحافظات العراقية، عام 2014، إلى الخلافات السياسية، وتفرّد أطراف شيعية بالحكم في بغداد، وغياب الرؤية المشتركة لإدارة المؤسسات الحكومية، خصوصاً الأمنية والسياسية. وهو ما تنفيه حكومة حيدر العبادي.

الحداد، تابع أن "الاعتقالات العشوائية وعمليات الاختطاف والسلب والنهب والابتزاز ومطاردة الكفاءات، بعد أسابيع من اكتمال عمليات تحرير الجانب الشرقي من داعش (يوم 24 يناير الماضي)، تثير الكثير من علامات الاستفهام والتعجب لدى المواطن، وتدفعه إلى فقدان الثقة بالمنظومة الأمنية".

وشدد على أن "تلك الممارسات غير الأخلاقية في المناطق المحررة لا تخدم أي طرف سوى التنظيم الإرهابي (داعش)، الذي راهن ويراهن على ورقة الأعمال الطائفية، التي يتعرض لها المدنيون عند خروجهم عن سيطرته".

وحذر الحداد من "استغلال التنظيم هذه الأفعال والممارسات في تنفيذ أعمال انتقامية ضد أي قوة ترتدي الزي العسكري، بحجة الدفاع عن المواطنين".

كما حذر من أنه "في حال استمرار الأمور بهذا المسار، فإن الموصل عائدة إلى المربع الأول قبل أحداث 10 يونيو 2014، عندما كان المواطن لا يثق بالأجهزة الأمنية، ولا يرغب في التعاون معها؛ بسبب الفساد الذي كان مستشرياً في جميع المرافق الحكومية".

تهديد الكفاءات

وبحسب الناشط المدني أيهم معتز، فإن "الحملة الشعواء التي تتعرض لها الموصل مستمرة، وستبقى حتى بعد الانتهاء من حقبة (داعش)؛ وذلك بهدف إفراغ المدينة من طاقاتها البناءة واستغلال خيراتها المتنوعة".

وتابع معتز، أن "الكثير من الممارسات غير الأخلاقية باتت تستهدف الشريحة الراقية في المجتمع الموصلي، مثل الطبيب، والمهندس، والتاجر، والمحامي، والإعلامي؛ لإجبارهم على مغادرة المدينة أو البقاء فيها وتحمّل نتائج بقائهم".

واعتبر أن "الميليشيات تستكمل ما بدأ به (داعش) تجاه كفاءات الموصل وسكانها بصورة عامة، وهذا الأمر لا يمكن أن يكون مصادفة"، على حد تقديره.

وحذر من أن "الانتهاكات في الجانب المحرر ستفاقم المشاكل، ومن ثم تقوض جهود الحرب ضد التنظيم الذي لا يزال يسيطر على أجزاء واسعة، ويحاول بين الحين والآخر أن يؤكد قوته عبر شن هجمات على القوات الأمنية والحشود المساندة لها".

ورداً على سؤال بشأن مستوى الخدمات في المناطق المحررة، أجاب الناشط المدني في الموصل بأن "المستوى متدنٍّ إلى أبعد الحدود، فأكوام النفايات تنتشر في كل مكان، والسكان يعانون نقصاً حاداً في الغذاء والماء ووسائل التدفئة، والمراكز الصحية لا تمتلك أبسط أنواع العلاج، ومخلفات الحرب في كل مكان".

وختم معتز بأن "بعض شباب الموصل يحاولون تغيير هذا الواقع المرير عبر تنظيم حملات إغاثة للمحتاجين وتنظيف الشوارع، غير أن الواقع أقوى بكثير من إرادتهم، خاصة في ظل غياب الأمن".