بعد سلسلة الأحداث الإرهابية التي ضربت العاصمة الفرنسية باريس في 13 نوفمبر 2015، دخلت عموم البلاد في حالة طوارئ مرّ عام على تطبيقها لأول مرة منذ الحرب الجزائرية في خمسينيات القرن الماضي.
وحمل عام الطوارئ هذا، تداعيات سلبية، بينها ما طال المسلمين في فرنسا التي تحتضن أكبر جالية مسلمة (تتراوح نسبتها من 5-8% من السكان البالغ عددهم 66 مليونا)، من خلال تشديد الرقابة عليهم أو إغلاق مساجد لهم، فيما كانت نتائجه بحسب تصريحات رسمية إيقاف مئات الأشخاص المشبته بهم وكذلك مداهمة آلاف المواقع.
وبجانب إعلان الطوارئ التي تم تمديدها لاحقا حتى فبراير 2017، علقت فرنسا اتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية والتي تنص المادة 15 منها على أنه "في حال حرب أو خطر عام آخر يهدد حياة الأمة، يمكن لأي من الدول الموقعة للاتفاقية اتخاذ إجراءات تخالف الالتزامات الواردة فيها".
وسنّت فرنسا تشريعات صارمة في إطار الحرب على الإرهاب، وشهدت البلاد صعوداً لليمين المتطرف وعودة الجدل حول الهوية الوطنية للبلاد. ومنذ ذلك التاريخ دخلت فرنسا حقبة جديدة قدمت فيها تنازلات فيما يتعلق بالملف الحقوقي. وبعد هجمات 13 نوفمبر 2015، وسلسلة من عمليات القتل الجماعي بالرصاص في أربعة مواقع، أعلنت حالة الطوارئ في البلاد وتم تفعيل سرعة الإجراءات القضائية والتحقيقات والتوقيفات والمداهمات.
وأشار وزير الداخلية الفرنسي، برنار كازنوف إلى مداهمة الشرطة لـ 4 آلاف و71 موقعا خلال عام واحد. ولفت إلى أن الشرطة أوقفت 426 شخصا خلال تلك المداهمات، صدر بحق 94 منهم أحكام قضائية، وعلى 95 آخرين حكم بالإقامة الجبرية في منازلهم. وبيّن أن بلاده منعت دخول 201 أجنبيا إلى أراضيها، في حين أنها منعت مغادرة 430 آخرين.
ومع تفعيل حالة الطوارئ فتحت الحكومة الفرنسية تحقيقًا مع العديد من الجمعيات والمؤسسات الدينية في البلاد.
وأغلقت السلطات الفرنسية حتى اليوم أكثر من 20 مسجدًا في عموم البلاد، فضلًا عن المؤسسات والجمعيات الدينية، بدعوى أنها تساعد على نشر خطابات متطرفة، بحسب وسائل إعلام فرنسية.
وقال رئيس مجلس العدالة والمساواة والسلام (غير حكومي) في ستراسبورغ، علي غيديك أوغلو، إن هذه الحالة الخاصة "أضرّت جدًا بالمسلمين وأماكن عبادتهم ونشاطهم هناك". ولفت إلى أن الحكومة الفرنسية تتبع رقابة على الآيات القرآنية خلال الخُطب والدروس الدينية في المساجد، الأمر الذي يجبر الأئمة والخطباء على تجنب قراءة الآيات المتعلقة بالجهاد والتبليغ والحجاب لعدم التعرض لاتهامات التطرف.
وقال رئيس المعهد الوطني للبحوث الاستراتيجية، أركان تانري كولو، إن خطابات التطرف والعنصرية تشكل خطرًا كبيرا على مستقبل فرنسا، وإن المسلمين هم الفئة الأكثر سعيًا للتأقلم مع حالة الطوارئ وهم الأكثر تضررًا منها. وأضاف أن "المسلمين في فرنسا يتعرضون لاتهامات وتوقيف غير عادلة وإغلاق لأماكن عباداتهم".

