بقلم : د. أحمد نصار
*** تقدير موقف ***
نتناول في هذا المقال ما يلي:
1- الوسائل التي مهد بها السيسي لقراراته.
2- طبيعة الاحتجاجات التي تلت القرارات.
3-طريقة تعامل السيسي مع هذه الاحتجاجات.
4- كيفية الاستفادة من هذه الاحتجاجات.
5- هل يمكن التعويل عليها لإسقاط الحكم العسكري أم لا
***
المرء مخبوء تحت لسانه، حين يتحدث يخرج ما يدور في نفسه من أفكار..
***
1- قرارات غير مستغربة:
لم تكن قرارات السيسي رفع أسعار الوقود غريبة، فلقد تحدث الجنرال أكثر من مرة عن أنه عذاب ومعاناة، وأنه لا يعرف شيئا اسمه "ببلاش"، وأن الشعب لابد أن يشتري الحاجة بتمنها...إلخ هذا غير ما نقله وزير الغلابة الدكتور باسم عودة وزير التموين الشرعي عن السيسي قوله: أنتوا (أي الإخوان) دلعتوا الشعب ده قوي يا دكتور باسم. هذا الشعب لابد له أن ينفطم.
جاء السيسي إذن ليفطم الشعب، فكانت أول قراراته الاقتصادية رفع أسعار الوقود بنسبة تقارب من 80% في بنزين الغلابة (بنزين 80) ونسبة لا تتجاوز 7% في بنزين 90!
الغريب لم يكن قرارات السيسي، فحل مشكلة مصر الاقتصادية يأتي عن طريقين:
أ- إما بفرض الرقابة الشعبية والدستورية على مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش الذي يحتكر 60% من اقتصاد البلاد، وإحداث عدالة اجتماعية حقيقية تعيد لمصر طبقتها المتوسطة من جديد.
ب- وإما التركيز على البسطاء على أنهم الحلقة الأضعف في المعادلة..
مرسي اختار الطريق الأول وكان هذا طبيعيا، والسيسي اختار الطريق الثاني وكان هذا طبيعي كذلك.
***
2- التمهيد لارتفاع الاسعار:
السيسي رئيس المخابرات الحربية السابق كان يعلم أنه لابد من عمل تمهيد لهذه القرارات، فقام بذلك مستعينا بآلة إعلامية جبارة ظلت تصاحبه طيلة عام، لتقليل أي ردود أفعال غاضبة إلى أقل مستوى ممكن، وأهما ما يلي:
1- عدم تقديم برنامج انتخابي أو أي وعود انتخابية خلال حملته الانتخابية.
2- تصريحات متكررة أنه لايستطيع تقديم شيء للمصريين وعليهم أن يساعدوه.
3- طلبه المتكرر من المصريين التقشف والذهاب إلى العمل مشيا أو على دراجة.
4- الإعلان عن التبرع بنصف راتبه (بعد أن أصدر عدلي منصور قرارا برفع أربعة أضعاف مما يعني أن راتبه تضاعف بدلا من أن ينشطر) وكذلك الإعلان عن التبرع بنصف ممتلكاته الشخصية - التي لا يعرف أحد عنها شيء ولا يجرؤ أحد على مطالبته بالرقابة عليها!)
5- تسريب شائعات عن ارتفاعات شديدة في أسعار الوقود وتعطيش السوق للسولار والبنزين، حتى إذا توفر الوقود بارتفاع أسعار أقل مما تسرب كان تقبل الناس لذلك أيسر.
6- آلة إعلامية جبارة تحولت من نغمة "مش أد الشيلة ماتشيلش" إلى "لازم نضحي علشان ماسر".
إذن القرارات لم تكن مفاجئة. المفاجئ - حقيقة - هو ردود الأفعال التي أعتقد أنها فاجأت السيسي شخصيا. إضرابات واشتباكات بين الأمن وكثير من السائقين الذين شكلوا لفترات طويلة طبقة من أهم الطبقات الموالية للنظام القديم ثم للانقلاب العسكري؛ لا عن مبدأ أو أيديولوجيا ولكن لتأثرهم المباشر من الأزمات المفتعلة التي تديرها الدولة العميقة وعلى رأسها الجيش.
***
3- ولكن هل تنبئ هذه الاحتجاجات بشيء؟ وهل يمكن التعويل عليها لإسقاط الحكم العسكري:
للإجابة على هذا السؤال لابد من فهم طريقة ولادة الانقلاب العسكري وكيفية نشأته..
السيسي قدم نفسه للناس منذ عام معتمدا على دعامتين رئيسيتين:
1- قائد عسكري زاهد في الحكم، استجاب لإرادة جماهيرية طالبت بعزل مرسي فخاطر بحياته وعزل الرئيس وعطل الدستور احتراما لرغبات الناس.
2- قائد عسكري غيور على وطنه، وجد أن الشعب يعاني ولم يجد من يحنو عليه، وأن الوطن في طريقه للانهيار فكان واجبا عليه أن يتدخل لتخفيف الأعباء عن الناس.
أي في جميع الأحوال كان السيسي متمسكا لآخر لحظة في خطابه للمصريين بانتمائه للمؤسسة العسكرية ، لسببين رئيسيين:
أ- رغبة في الاستفادة من حب قطاع عريض من المصريين لجيش بلدهم عندما حارب اليهود، وهم غير مدركين للفوارق الجوهرية التي حدثت لعقيدة هذا الجيش وقياداته بعد ذهاب جيل أكتوبر ومجيء جيل كامب ديفيد، الذي يتلقى المعونة المالية والسلاح والتوجيه من واشنطن برضا تل أبيب!
ب- وتمسُّك السيسي كذلك بانتمائه للقوات المسلحة في خطابه للشعب المصري نابع من رغبة في تذكير الجميع أنه مرشح هذه المؤسسة، والمدعوم منها، مما يعني أنه يملك السلاح الثقيل، وأنه الوحبد الذي يحتكره -حتى الآن، وهذا السلاح سيودي بحياة من يعارضه، وأنه مستعد لفعل ذلك، وقد فعله بالفعل، وقتل منهم الآلاف.
ولكن في ظل هذه الصورة الذهنية التي يقدم السيسي بها نفسه للناس، كان لابد له من قشرة سياسية محسوبة على ثورة يناير، مثل الأنبوبة التي يتنفس بها الغواص تحت الماء، للإبقاء على شرعية وجوده - التي اصطنعها لنفسه - وأنه استجاب لرغبة هؤلاء ولم ينقلب على رئيس منتخب.
لكن التخلص من كل من عاونه في الوصول للسلطة عملا بنصيحة ميكافيللي، أدى إلى حدوث نزيف حاد في هذه القوى، وأصبح الجميع يتكلم ولو بصوت مكتوم، أن نظام مبارك عاد بالكامل، وأن القمع لن يطال الإخوان وحدهم أو أنصارهم فحسب، بل سيمتد لكل من يتجرأ على معارضة هذا النظام أو انتقاده.
***
4- طبيعة الاحتجاجات الجديدة على رفع الأسعار:
من قام بهذه الاحتجاجات يدرك كل ذلك. يدرك أن السيسي مرشح المؤسسة العسكرية، ويدرك أنه ديكتاتور وغير ديمقراطي، ويدرك أنه يقتل ويعتقل ويغتصب، وربما سمعوا عن علاقته بإسرائيل وأميركا أو مازالوا يصدقون إعلام مبارك. لا فارق عندهم.
هم يدركون كل ذلك ولايعنيهم إن كانت هذه الاتهامات صحيحة أم لا. كل ما يعنيهم هو لقمة العيش التي بدا لهم صباح أمس فقط أنها ستتأثر تأثرا مباشرا بقرارات السيسي القاسية.
هذه الاحتجاجات إذن ليست نابعة من رفض المحتجين للحكم العسكري، أو لأن السيسي غير ديمقراطي، فقطاع عريض من هؤلاء يؤيد السيسي حتى وإن كان ديكتاتورا طالما أنه سيوفر لهم" الاستقرار" الذي وعدهم به، وسيقضي على الفوضى التي أعقبت ثورة يناير، والتي كان السبب فيها حسب الإعلام الذي يصدقونه الثورة و الإخوان، وليس جهاز الشرطة المترهل والفاسد، الذي حملوه على الأعناق في 30 يونيو.
***
5- وعليه فإن التعويل على تحول هذه "الاحتجاجات" إلى "ثورة تطيح بالسيسي" أمر يواجع عدة عوائق:
أولا: أن أيا من هذه الاحتجاجات سيواجه بالرصاص الحي والغاز من قبل الجيش والشرطة، وسيظل السيسي يطلق الرصاص طالما بندقيته تحوي طلقات.
ثانيا: أن هذه الاحتجاجات الجزئية المطالبة بمطالب جزئية يمكن أن تخفت أو تنتهي إذا حدث تراجع عن هذه القرارات أو تعديل لها، أو إذا ظهر أن تكلفة الاعتراض عليها ثمنه الدم.
***
6- الجيد في هذه الاحتجاجات:
الجيد في هذه الاحتجاجات أنها تسحب البساط من تحت أقدام السيسي تدريجيا، وتفقده أنصاره في معسكره التقليدي المكون أساسا من غير العابئين بالديمقراطية وحقوق الإنسان، ولا يهتمون لأخبار والقتل والقمع والاغتصاب في السجون، والراغبون في المش جنب الحيط.
هذه الاحتجاجات إن استمرت، وهذه الأسعار إن استقرت، ستجعل رحيل السيسي غير مأسوف عليه عند قطاع عريض من المصريين ، بالضبط كما جعل الإعلام رحيل الإخوان - وربما ذبحهم وسحلهم - غير مأسوف عليه عند ذات القطاع من المصريين.
***
7- كيف نستفيد من هذه الاحتجاجات:
1- لاتوجد مظاهرات منظمة في الشارع إلى مظاهرات الإخوان، وتبين الآن أننا كنا على صواب من تخوفنا من إعلان بروكسل وإعلان القاهرة، التي كان من الممكن أن تمهد الطريق لشخصيات مجهولة وأخرى مشبوهة لتصدر المشهد، وربما ركوب المشهد الحالي، خاصة في ظل تجاهل غير مريح وتصريحات غامضة متضاربة حول الشرعية.
2- عدم جرأة أي فصيل آخر على معارضة السيسي الآن ستفشل جميع محاولات الغرب لاصطناع معارضة علمانية لا تتبنى خطاب الإخوان المطالب بعودة الشرعية. وتبني هذه الفصائل خطابا معارضا للسيسي سيبرهن أن الإخوان كانوا على صواب في معارضتهم للسيسي وأنه كذاب مخادع افتعل أزمات للناس وتاجر بها للوصول للسلطة مستخدما هذه الفصائل السياسية ككوبري للوصول إلى مبتغاه.
حتى وإن عارضته هذه الفصائل فلابد لها من ثمن تدفعه،مما سيفتح باب جرائم السيسي وفضائحه منذ عام. كما سيبدو ساعتها أن تضحيات هذه الفصائل بسيطة مقارنة بتضحيات أنصار الشرعية.
3- أي احتجاجات "اقتصادية" ستصب في جميع الأحوال في صالح مظاهرات الشرعية التي لا تنقطع، وسيظهر للجميع شيئا فشيئا أن الإخوان كانوا على صواب في معارضتهم للسيسي، وأن الإخوان لم يغيروا موقفهم بخصوص السلطة الحالية منذ الانقلاب حتى الآن، ودفعوا ثمن ذلك؛ بينما غيّر الجميع موقفه وتبين أن كان على حساباته وتقديراته كانت خاطئة بخصوص السلطة الحالية والسيسي.
4- لابد من ربط الناس ذهنيا أن سبب هذه المشكلات هو السيسي وأن زوال هذه المشكلات مرتبط برحيل السيسي. هكذا ببساطة AS SIMPLE AS THIS في رسائل إعلامية واضحة وبسيطة SIMPLE & SPECIFIC تطالب برحيل السيسي الذي جعل حياتنا ضنكا، وأن يمثل هذا أرضية مشتركة بيننا وبينهم دون التذكير بنقاط الخلاف حول إن كان هذا انقلاب أم لا، وقضية عودة الشرعية ...إلخ. مع العلم أن أي احتجاجات ستصب بقصد أو دون قصد في صالح هذه المطالب التي يرفضها بعض المحتجين على ارتفاع الأسعار.
5- لأول مرة يختار الشعب اختيارا ويرى نتيجة اختياره. فهذه القطاعات التي طالتها القرارات الاخيرة لم تشارك بكثافة في الاستحقاقات الانتخابية طيلة ثلاثة أعوام، وكثيرون منهم كانوا يرون في الثورة ضررا عليهم، وكانوا مؤيدين للانقلاب العسكري، صامتين على قتل المعارضين، موافقين ضمنا على التزوير للسيسي، لا لشيء إلا رغبة في الاستقرار ودوران العجلة.
الآن هذه الفئات بدأت تدرك أن عليهم دفع ثمن خياراتهم، كما يدفع أنصار الشرعية طيلة عام ثمن خياراتهم، وأن كل ما يحدث الآن بسبب السيسي الذي هللوا له وانتظروا منه الضبط والربط والقبضة الأمنية، حتى ولو بكثير من القمع لخصوم سياسيين. وهذا مهم على طريق نشر الوعي بين الناس وأن من يقايض الناس على حريتهم مقابل لقمة عيشهم لن يعطيهم شيئا من الاثنين!
***
وختاما: هناك سيناريوهان فيما يخص احتمال سقوط سريع للانقلاب:
أ- أن تكبر المظاهرات وتتدحرج ككرة الثلج وتستطيع اقتحام منشأة هامة كوزارة الدفاع أو قصر الاتحادية، وسقوط مزيد من الشهداء في الاسابيع الأولى لحكم السيسي، وخاصة من الطبقة المنضمة حديثا للتظاهر اعتراضا على قرارات اقتصادية، والتي لم تخرج من قبل مطالبة بالشرعية. عندها سيكون تراجع هذه الفئات صعبا للغاية، وقمع الثورة صعب كذلك.
ب- أن تكبر المظاهرات وتتدحرج ككرة الثلج فتدفع شخصا طموحا - أو خائفا- في القوات المسلحة للتقدم، ليقوم بانقلاب على الانقلاب، يتماشى به مع الموجة الثورية الجديدة، ويحمي نفسه من انتقام الناس، ويحفظ لنفسه كذلك مكانا في المستقبل.
***
أما إذا لم يحدث هذا ولا ذاك، فسنكون إزاء سيناريو أقرب لسيناريو الشاه في إيران عقب انقلاب مصدق. أرقام تتحدث عن نمو اقتصادي لا يصب في جيوب الفقراء الذين يزدادون فقرا. وستضعف الأرضية التي يقف عليها الجنرال شيئا فشيئا حتى تجيئ لحظة حاسمة لا تستطيع فيها القوة المسلحة أن توقف ثورة الشعب من أجل رئيس فقد شعبيته ولم يعد يبكي عليه أحد!
وفي ظل هذا الانفتاح المعلوماتي وكسر احتكار النظام للمعلومة، والرغبة الشديدة في الاستقرار الموعود وبشكل سريع ستكون هذه اللحظة قريبة جدا إن شاء الله وعندها لن يبكي أحد عليه!

