تتسارع وتيرة تحركات وزارة الصناعة لترتيب صفقات استحواذ لصالح مستثمرين على نحو 30 مصنعاً متعثراً، في محاولة رسمية لإعادة تشغيل الطاقات الإنتاجية المجمدة، وفق ما أعلنه وزير الصناعة خالد هاشم أمام لجنة الصناعة بمجلس النواب، وسط تصاعد حدة الركود وتفاقم الأعباء التمويلية على المنتجين المحليين.
​
​
وتأتي هذه التحركات الحكومية في ظل سياسات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي التي عمقت أزمات التشغيل وتسببت في شلل آلاف المنشآت، لتكتفي السلطة بطرح حلول جزئية تقتصر على فحص أوضاع 51 مصنعاً، متجاهلة الجذور الهيكلية للنزيف الاقتصادي والانهيارات المتتالية في قطاع الإنتاج الوطني.
​
​
محدودية رأسمال صندوق الإنقاذ الحكومي
​
​
وبالنظر إلى الأرقام المعلنة، أطلقت الحكومة صندوقاً لإعادة هيكلة المصانع بالشراكة مع البنك المركزي برأسمال متواضع يبلغ مليار جنيه في مرحلته الأولى، مخصصاً مساهمات تتراوح بين 30 و50 مليون جنيه للمنشأة الواحدة، وهو ما يعكس تواضع المخصصات قياساً لحجم الخسائر المتراكمة التي تضرب قطاعات الصناعة.
​
​
وعلاوة على ذلك، تتوزع هيكلية ملكية هذا الكيان الاستثماري بين 7 جهات، إذ تستحوذ الهيئة العامة للتنمية الصناعية على حصة 33%، بينما يتقاسم بنكان حكوميان هما الأهلي ومصر نسبة 29%، وتستقر بقية الأسهم بين 3 بنوك أخرى بنسبة 36%، وتكتفي شركة "سي آي كابيتال" بحصة 2%.
​
​
ومن جهة ثانية، تقتصر محفظة الصندوق الفعلية على دراسة 8 فرص فقط من أصل 100 منشأة جرى فحصها مبدئياً، مع استهداف الاستثمار في 12 كياناً بمتوسط 85 مليون جنيه لكل منشأة، لتنطلق أولى الصفقات في شهر ديسمبر ضمن قطاع الصناعات الكيماوية دون جدول زمني لإنقاذ باقي القطاعات.
​
​
وبحسب تقييم أستاذ التمويل والاستثمار الدكتور مدحت نافع، فإن رصد مليار جنيه لمعالجة عثرات المصانع يظل تدخلاً محدود الأثر ولا يواكب الاحتياجات الفعلية لخطوط الإنتاج المتوقفة، مؤكداً على أن إنقاذ 12 مصنعاً لا يشكل حلاً جذرياً لأزمة تمتد لتشمل آلاف الورش والشركات على مستوى البلاد.
​
​
ومع استمرار تلك التحديات، يراهن القائمون على الصندوق على الاستثمار المباشر عبر شراء حصص ملكية وإعادة جدولة الديون التشغيلية، بدلاً من الاكتفاء بتقديم قروض بنكية، مما يجبر أصحاب المشاريع الأصلية على التنازل عن إدارتهم وأسهمهم لصالح مستثمرين جدد مقابل الحصول على سيولة البقاء داخل السوق.
​
​
واستكمالاً لهذه الإجراءات، تروج الحكومة لحزمة حوافز إضافية تشمل منح المستحوذين الجدد تمويلاً لرأس المال العامل بأسعار فائدة مخفضة عقب إتمام الصفقات، في خطوة تكرس دعم رؤوس الأموال الوافدة وتفضيلها على المنتجين المحليين الذين واجهوا فوائد مصرفية خانقة قادتهم إلى التوقف القسري عن العمل.
​
​
آليات التخارج القسري للأصول الصناعية
​
​
وعلى صعيد الآليات الرسمية، تعتمد وزارة الصناعة 3 محاور رئيسية للتعامل مع ملف المنشآت المتعطلة، تتمثل في صندوق إعادة الهيكلة، وتسهيل تخارج المصنعين ببيع أصولهم لمستثمرين بدلاء، إضافة إلى تقديم الدعم الفني بواسطة مركز تحديث الصناعة، وهي خطوات يعتبرها مراقبون إدارية عاجزة عن وقف نزيف الإغلاقات المتسارع.
​
​
وفي موازاة هذا التوجه، سجلت نحو 90 منشأة متعثرة بياناتها فقط عبر المنظومة الرقمية الموحدة لوزارة الصناعة، وهو رقم متواضع جداً يفضح اتساع الفجوة بين الإحصاءات الحكومية الضيقة والواقع الفعلي الذي تشير فيه تقارير الغرف الصناعية إلى توقف آلاف خطوط الإنتاج بصورة شبه تامة.
​
​
وبدلاً من تقديم الدعم المباشر، تحولت الوزارة إلى دور الوسيط التجاري لترتيب بيع المصانع المتعثرة وتسهيل خروج أصحابها من النشاط، مشيرة إلى تركيزها على دراسة أسباب التعثر الفردية لكل منشأة، الأمر الذي يراه ممثلو القطاع الخاص تهرباً من علاج المعضلات الكلية المتمثلة في ندرة النقد الأجنبي.
​
​
ويؤكد خبير أسواق المال وائل النحاس أن دفع أصحاب المصانع نحو التخارج القسري يعكس فشل الخطط الحكومية في حماية القاعدة الإنتاجية، لافتاً إلى أن انهيار العملة المحلية والقرارات الجمركية العشوائية فرضا أعباء مالية تفوق قدرة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، مما جعل بيع الأصول هو الملاذ الإجباري الوحيد المتبقي.
​
​
ويتضح من واقع المفاوضات الجارية حول 30 مصنعاً أن الدولة تشجع رأس المال الخاص على استغلال عثرة المصنعين الأصليين، عبر الاستحواذ على الأصول بأسعار منخفضة ودون تقديم ضمانات كافية لحماية حقوق آلاف العمال المهددين بفقدان وظائفهم جراء عمليات إعادة الهيكلة والتصفية الجزئية التي تفرضها الصفقات الجديدة.
​
​
وتشير بيانات أكتوبر الماضي التي تناولت تدشين الصندوق إلى غياب الرؤية الشاملة للإنقاذ، حيث تركز الجهات الممولة على جني عوائد استثمارية سريعة عبر المشاركة في الأرباح وتملك الحصص بدلاً من معالجة أزمات استيراد مستلزمات الإنتاج الأولية وقطع الغيار الضرورية لتشغيل الماكينات.

 

أزمة السياسات النقدية وخنق الإنتاج
​
​
وامتداداً للجدل الدائر، واجهت خطة وزير الصناعة تساؤلات حادة داخل أروقة البرلمان بشأن فاعلية برامج الدعم المعلنة، مع إشارة برلمانيين إلى أن التمويل المخفض لرأس المال العامل المشروط بإتمام صفقات الاستحواذ يحرم المنشآت القائمة من فرص النجاة ويعزز سياسات الاستحواذ القسري على حساب أصحاب المشروعات الحقيقيين.
​
​
وعلى نحو متصل، يبرز التناقض الحاد بين التوسع في الاقتراض الموجه لمشروعات غير إنتاجية وتراكم الديون الخارجية، وبين تخصيص مليار جنيه فقط لإنقاذ شرايين الصناعة الوطنية، بما يظهر بوضوح غياب أولوية التصنيع المحلي لدى صانع القرار الاقتصادي وتراجع الالتزام بدعم القطاعات ذات القيمة المضافة الحقيقية.
​
​
ويرى رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية الدكتور رشاد عبده أن حصر الحلول في إعادة هيكلة الملكية لن يوقف التدهور دون إصلاح السياسات الجمركية والضريبية الخانقة، لافتاً إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة ومستلزمات الإنتاج المستوردة يجعلان أي تمويل مؤقت عديم الجدوى في استعادة تنافسية المصانع المتوقفة.
​
​
وبالإضافة إلى ذلك، تواصل أجهزة الدولة فرض غرامات ورسوم إدارية تثقل كاهل المنشآت المتعثرة، فضلاً عن تهديد المستثمرين بسحب التراخيص والأراضي بدلاً من تقديم إعفاءات ضريبية وحوافز تشغيلية، مما يحول البيئة الاستثمارية إلى طاردة لرؤوس الأموال الوطنية ويضاعف من صعوبات إعادة إحياء خطوط الإنتاج المجمدة.
​
​
وختاماً لهذا الواقع المتأزم، تبدو صفقات بيع المصانع المتعثرة مجرد إجراءات شكلية لتوزيع الخسائر وتغيير ملكية الأصول لصالح كبار المستثمرين، مؤكدة على عجز الاستراتيجيات الحكومية عن معالجة جوهر الأزمة الإنتاجية، في وقت تحتاج فيه الصناعة الوطنية إلى تغيير جذري في فلسفة إدارة الاقتصاد بأكمله.