معن البياري

رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن

 

لو أتيح لك أن تقيم في دماغ دونالد ترامب اليوم الثلاثاء، الثالث من نوفمبر 2026، ثم تغادره غدًا الأربعاء إلى دماغ مجتبى خامنئي، لن يمكّنك هذا من حسم ما إذا كانت الحرب الأميركية (الإسرائيلية) الإيرانية ستقع، باستئناف نفسها، أم لا. ببساطة، لأن القرار في البيت الأبيض لم ينضُج بعد بهذا الاتجاه أو عكسه، ولأن ثمّة مسارًا من المحادثات غير المباشرة، ينشط فيه الوسيط القطري، بمثابرةٍ فائقة، ليس فقط في نقل الرسائل بين واشنطن وطهران، وإنما أيضًا بتقديم مقترحاتٍ ومسوّدات تفاهماتٍ واستكشاف تنازلاتٍ متبادلة.

 

وإذ أشاعت أنباءٌ شديدة الحذر شيئًا من التفاؤل الطفيف، في الأيام الثلاثة الماضية، باتجاه إمكانية الوصول إلى شيءٍ ما، فإن مجتبى خامنئي، في اجتماع له مع قادة عسكريين وأمنيين، يخبر العالم بأن ردّ إيران على اعتداءٍ من الولايات المتحدة لن يتقيّد بأي جغرافيا، أما ترامب فيحكي عن موقعيْن في الجمهورية الإسلامية ربما تستهدفهما ضرباتٌ أميركية، وفيما نعدّ هذا الكلام وذاك من قبيل وضع اليد على الزناد في أثناء التفاوض، يكتب المذيع الأميركي تاكر كارلسون إن الولايات المتحدة قد توجّه ضربةً نووية على موقع في أصفهان، بتحريضٍ من نتنياهو، الذي تحدّث مع صديقه ترامب هاتفيا الليلة قبل الماضية، غداة إبلاغ قيادة الجيش الإسرائيلي المستوى السياسي باكتمال جاهزيّته لحربٍ تُستأنف على إيران.

 

أما وأن هذه أخبارٌ موجزةٌ تواترت أخيرًا، وترجّح خيار الحرب، فإن أغلب أحاديث المعلقين في التلفزات والصحافات العربية تذهب باتجاه تأكيده، بعد أن يفوز الديمقراطيون في انتخابات الكونغرس النصفية، وقبل أن تجد معضلة تشكيلة الحكومة الإسرائيلية حلًا. ومع كل الوجاهة، النظرية والمنطقية، لهذا التحليل، ثمة وجاهةٌ موازية يُحرزها من يذهب اجتهادُه إلى أن المفاوضات الشاقّة في الدوحة وجهود الوساطات القطرية والباكستانية (والنصائح الصينية والعُمانية) ستنتهي إلى تبريد الأجواء، وإحداث خرقٍ ما، يؤثّث أرضيةً تنفتح على مغادرة طهران عنادها بشأن التحكّم بممرّات مضيق هرمز، وعلى مرونةٍ أميركيةٍ بشأن الإفراج عن أموالٍ إيرانيةٍ محتجزة، والمضي في معالجة الملف النووي المستعصي عبر نافذة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومفتشيها، واستدعاء الأسس التي قامت عليها مذكّرة التفاهم الموقّعة في يونيو الماضي، مع استعداد روسيا والصين لتكونا ضامنتي أي التزاماتٍ إيرانية.

 

إذن، ثمّة إمكانيةٌ لإبعاد خيار الحرب، وبعث أجواء تفاوضٍ طويلٍ يبحث عن تفاهماتٍ واتفاقياتٍ، ولو جزئية. وثمّة أسماء وازنة في الإدارة الأميركية تُؤثِر تجريب الخيار الدبلوماسي، تُحاول أن تستكشف إمكانات النجاح فيه، فلا يتسلّى نائب الرئيس جي دي فانس عندما يرسل، عبر الوسيط القطري، رسالةً إلى أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، اللواء محسن رضائي، وهو من صقور النظام في بلده. وعندما يتكتّم الأميركيون والإيرانيون، معًا، بشأن مضمون الرسالة، ولا يلعبان لعبة التسريبات بشأنها، فذلك يعني أن ثمّة مقدارًا من الجدّية في مبادرة البيت الأبيض هذه، المعطوفة على كلامٍ لوزير الخارجية ماركو روبيو عن تفضيل الرئيس المسلك الدبلوماسي مع إيران. وهذا كله، وكثيرٌ غيرُه، يدفعنا إلى عدم التعاطي مع سيل التصريحات اليومية لترامب بجدّيةٍ عالية، وإنْ يصعبُ هذا بالنظر إلى أن الرجل رئيس الولايات المتحدة وصاحب القرار الأول والأخير فيها، وللموضوع الإيراني أولويةٌ قصوى في دماغه، ولا يريد نتنياهو له أن يُرخي أذنيه للانهزاميين أمام قنبلةٍ نوويةٍ إيرانيةٍ ستمحو إسرائيل وتهدّد الأمن في العالم.

 

إنها الحربُ التي قد لا تقع، وهذا هو المتمنّى، الحربُ التي يعني عدم وقوعها في الأسابيع المقبلة أنها قد تنشب بعد شهور أو أعوام، لأن أساس الصراع لن ترجرجه تفاهماتٌ ظرفيةٌ واتفاقياتٌ من الميسور خرقُها أو التنصّل منها، ولأن ما يتوطّن في الدماغ السياسي الأميركي الحاكم، أيًا كانت تنويعاتُه، أن التعايش الدائم مع النظام الراهن في إيران عسير. أما إذا لم تقع الحرب حقًّا، وتفاهم طرفاها (بمعزلٍ عن التأليب الإسرائيلي)، فإن استحقاقاتٍ لا عدّ لها ستطرأ في الخليج والمنطقة والعالم، وأيًا تكن، فإنها ليست كما كوارثُ كبرى ستنجم عن الحرب، لا قدّر الله.