ضربت موجة حرارية طارئة الأراضي الزراعية لترفع درجات الحرارة بمقدار 6 درجات مئوية لتسجل 37 درجة جنوبا و34 بالقاهرة مما يشكل أزمة خانقة تعصف بجهود المزارعين وتكبدهم خسائر فادحة تتجاهلها السياسات الرسمية تماما.
​
​
وفي هذا الإطار، تتزايد مخاوف العاملين بالقطاع الزراعي من تفاقم الأوضاع مع انكسار هذه الموجة تدريجيا وانخفاض الحرارة بمقدار 8 درجات حيث تترك هذه التذبذبات المناخية آثارا مدمرة على المحاصيل الشتوية المزروعة حديثا.
​
​
مخاطر الحرارة على المحاصيل الشتوية الحديثة
​
​
علاوة على ذلك، يمثل هذا الارتفاع المفاجئ تهديدا مباشرا لمحاصيل استراتيجية حيوية كالبطاطس والبنجر والبصل والثوم وتلك التقلبات تضع الفلاح في مواجهة منفردة مع كوارث مناخية دون أية خطط حكومية استباقية للإنقاذ والحماية.
​
​
ومن جهة أخرى، أوضح الدكتور نادر نور الدين أستاذ الموارد المائية أن غياب التوجيه والإرشاد الزراعي الفعال يضاعف حجم الأزمة ويجعل التوصيات النظرية مجرد حبر على ورق لا يسمن ولا يغني من جوع.
​
​
بالإضافة إلى ذلك، تعاني المحاصيل الحساسة كالفراولة والخضراوات من صدمات حرارية متتالية تؤدي إلى ذبولها وضعف إنتاجيتها وهو ما يتطلب تدخلا ميدانيا عاجلا لتوفير مستلزمات الحماية بأسعار مدعمة للمزارع المطحون.
​
​
وعلى صعيد متصل، تبدو الإدارة الحالية للملف الزراعي عاجزة عن توفير حلول جذرية تضمن استقرار الأسواق المحلية التي ستتأثر حتما بنقص المعروض من هذه الخضراوات الاستراتيجية نتيجة تضرر مساحات شاسعة زراعيا.
​
​
وبناء على ما سبق، يضطر المزارع البسيط لتحمل تكاليف إضافية باهظة لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من زراعته وسط غياب تام للدعم المادي أو التعويضات العادلة التي تضمن بقاءه للعمل الشاق.
​
​
وفي غضون ذلك، تستمر المعاناة مع كل موجة تقلبات مناخية جديدة لتؤكد هشاشة البنية التحتية الزراعية وافتقار منظومة العمل لخطط طوارئ حقيقية قادرة على امتصاص صدمات التغير المناخي المتسارعة بالبلاد.
​
​
مكافحة الآفات والأمراض وسط تقاعس رسمي
​
​
وفي المقابل، تنشط الكثير من الآفات الزراعية والأمراض الفطرية بشكل وبائي مع هذه التذبذبات الحرارية الحادة لتفتك بالنباتات الضعيفة وتزيد أعباء المكافحة الكيميائية التي أثقلت كاهل المنتجين طوال المواسم الماضية.
​
​
ومما يثير القلق، أكد الدكتور يحيى متولي أستاذ الاقتصاد الزراعي أن ترك الفلاح يشتري مركبات سليكات البوتاسيوم بأسعار السوق السوداء يعد استنزافا خطيرا لموارده المحدودة ويهدد استمرارية إنتاجه الزراعي.
​
​
فضلا عن ذلك، تفتقر الجمعيات الزراعية لتوفر هذه المبيدات الوقائية الأساسية بالكميات المطلوبة والأسعار العادلة مما يترك الساحة مفتوحة لجشع التجار والشركات التي تستغل حاجة المزارعين الماسة لإنقاذ محاصيلهم.
​
​
وفي سياق متصل، تتصاعد الأصوات المطالبة بتفعيل دور رقابي صارم على أسواق المستلزمات الزراعية لحماية المزارعين من الغش التجاري والمبيدات مجهولة المصدر التي تنتشر بكثافة خلال فترات الأزمات المناخية المتلاحقة.
​
​
وعلى ذات الصعيد، تبدو التوصيات الصادرة عن مراكز البحوث متأخرة دائما عن التدخل الفعلي بالحقول مما يجعلها مجرد إجراء روتيني لإخلاء المسؤولية بدلا من كونها خطة عمل وطنية لحماية الثروة الزراعية.
​
​
وتزامنا مع هذا، يتكبد الاقتصاد القومي خسائر غير منظورة نتيجة هذا القصور الإداري حيث تتراجع جودة المنتج المحلي وتقل فرصه التنافسية بالأسواق التصديرية التي تشكل موردا هاما للعملات الأجنبية.
​
​
تحديات تجهيز الأراضي لموسم القمح الجديد
​
​
ومن ناحية أخرى، تبرز أزمة جديدة مع اقتراب موعد زراعة القمح المقرر انطلاقه في 6 نوفمبر حيث تتسبب هذه الظروف الجوية القاسية في تأخير إعداد الأراضي وتجهيزها بالشكل الأمثل والمطلوب.
​
​
وبطبيعة الحال، حذر الدكتور جمال صيام أستاذ الاقتصاد الزراعي من تبعات التأخير على الإنتاجية الكلية لمحصول القمح مؤكدا أن الأمن الغذائي يتطلب سياسات زراعية حاسمة وداعمة وليس مجرد تصريحات إعلامية.
​
​
وفي ضوء ذلك، يواجه المزارعون صعوبات بالغة في تنظيم عمليات الري للمساحات المجهزة للزراعة نظرا للتغير المفاجئ بدرجات الحرارة والذي يربك الجداول الزمنية المعتادة للزراعات الشتوية الاستراتيجية في عموم البلاد.
​
​
ومما يزيد الطين بلة، استمرار ارتفاع أسعار الأسمدة والتقاوي المعتمدة بشكل جنوني ليضع المزارع بين مطرقة الظروف المناخية القاسية وسندان التكاليف الإنتاجية الباهظة التي لا يقابلها تسعير عادل لمنتجاته النهائية.
​
​
وختاما لهذه التداعيات، يصبح من الضروري إعادة النظر في تسعير المحاصيل الاستراتيجية كالقمح مبكرا لضمان تشجيع الفلاحين على الاستمرار بزراعته رغم كل هذه الصعوبات والتحديات المناخية والإدارية المتشابكة والمعقدة.

 

وفي النهاية، يظل الرهان الحقيقي على صمود المزارع المصري وحيدا في ميدان العمل لتعويض هذا القصور الهيكلي وتوفير الغذاء لملايين المواطنين وسط تجاهل مستمر لمطالبه العادلة والمشروعة بالدعم والمساندة الحقيقية.