تتجه أنظار الأوساط السياسية في واشنطن نحو مآلات الانتخابات النصفية المقبلة، حيث يلوح في الأفق سيناريو انتزاع الديموقراطيين لأغلبية الكونجرس، مما يفرض تساؤلاً جوهرياً حول ما سيبقى عملياً من سلطة دونالد ترامب في البيت الأبيض.
وفي هذا السياق، تضع هذه الاستحقاقات الرئاسة الأميركية أمام اختبار مصيري يهدد نفوذ ترامب الداخلي، إذ ترسم التوقعات ملامح مرحلة جديدة من الصدام السياسي الحاد الذي قد يجرد الإدارة الحالية من أدوات التحكم بالسياسات والتشريعات العامة.
تاريخ خسائر الحزب الرئاسي في الكونغرس
ومن هذا المنطلق، تشير السجلات التاريخية منذ أربعينات القرن الماضي إلى أن حزب الرئيس يخسر عادة نحو 30 مقعداً في مجلس النواب، بينما ترجح البيانات الحالية أن تتجاوز خسارة الجمهوريين هذه العتبة التقليدية بشكل ملحوظ.
وعلاوة على ذلك، أظهرت الأرقام حتى 23 أكتوبر تراجع شعبية دونالد ترامب إلى 38.7 في المئة، وهي نسبة تماثل شعبية جورج بوش الابن في ولايته الثانية، وتعد أدنى من معدل باراك أوباما البالغ 41.3 في المئة.
وبناء على ذلك، تمنح المقارنة التاريخية دلالات واضحة لمسار الأحداث، حيث خسر الحزب الجمهوري سنة 2006 نحو 36 مقعداً تشريعياً، منها 30 مقعداً بمجلس النواب، ليفقد الجمهوريون حينها السيطرة التامة لصالح خصومهم الديموقراطيين.
ومن ناحية أخرى، تكرر هذا السيناريو القاسي مع إدارة أوباما الديموقراطية في انتخابات سنة 2014، حين خسر الحزب ما مجموعه 22 مقعداً، وانتقلت معها الأغلبية في مجلس الشيوخ بصورة كاملة لمصلحة معسكر الجمهوريين.
وبالإضافة إلى ذلك، تضع هذه السوابق إدارة ترامب تحت ضغط غير مسبوق، فالظروف الراهنة تعيد رسم نفس المنحنى التنازلي الذي أطاح بأغلبيات سابقة، مما يهدد بتقليص هامش المناورة السياسية للرئيس الجمهوري داخل كابيتول هيل.
مفارقة بايدن وفرص الديموقراطيين اليوم
وعلى النقيض من ذلك، شهدت ولاية الرئيس السابق جو بايدن أصغر خسارة نصفية حديثة سنة 2022، إذ لم يفقد حزبه سوى 9 مقاعد بمجلس النواب، بل حافظ على مجلس الشيوخ محققاً مكسباً إضافياً بمقعد واحد.
وفي هذا الإطار، ساهمت عوامل محددة في تقليص تلك الخسائر سنة 2022، تصدرها تصاعد المخاوف الشعبية من مصادرة الحق في الإجهاض، إضافة إلى ضعف نوعية المرشحين المدعومين من ترامب وتورطهم في التشكيك بنتائج اقتراع 2020.
ومع ذلك، بلغ معدل تأييد أداء بايدن حتى 23 أكتوبر سنة 2022 نحو 42.8 في المئة، وهو ما يتجاوز شعبية ترامب الحالية بنحو 4 نقاط مئوية كاملة، ليمنح الديموقراطيين حينها قدرة أكبر على الصمود.
وعلى صعيد متصل، اقتصر تفوق الجمهوريين باستطلاعات الرأي الحزبية العامة سنة 2022 على أقل من 3 في المئة، بينما ينقلب المشهد اليوم لمصلحة الديموقراطيين بفارق واسع يتجاوز عتبة 8 في المئة بحسب الأرقام المتوفرة.
ونتيجة لذلك، أصبحت استعادة الديموقراطيين للأغلبية داخل مجلس النواب مسألة وقت لا أكثر، في ظل حاجتهم الميدانية لانتزاع 3 مقاعد فقط لقلب موازين القوى وتجريد الحزب الجمهوري من رئاسة المجلس ولجانه التشريعية والرقابية الحيوية.
وبالتوازي مع ذلك، يحتاج الديموقراطيون لكسب 4 مقاعد بالشيوخ، وتوقع المحلل هاري إنتن حصد 54 مقعداً من أصل 100، ضمن المنافسة التي تشمل ثلث الشيوخ وكافة مقاعد النواب البالغة 435 مقعداً تشريعياً.
قيود الكونجرس ومصير صلاحيات ترامب
وفي ضوء ذلك، سيجد ترامب نفسه مكبلاً في الملفات الداخلية مع سيطرة الخصوم، إذ يستعد مجلس النواب لفتح تحقيقات فساد واسعة، مع تلويح زعيم الأقلية الديموقراطية حكيم جيفريز بخيار المساءلة وعزل الرئيس مجدداً.
غير أن توجيه الاتهامات يتطلب موافقة 51 في المئة فقط بمجلس النواب، بينما تشترط الإدانة في مجلس الشيوخ أغلبية الثلثين، وهو حاجز يستحيل اختراقه تقريباً على الديموقراطيين حتى مع إمكانية استقطاب أصوات جمهورية معارضة.
ومن زاوية دستورية، يفرض مبدأ الفصل الصارم بين السلطات توازناً يمنع تغول طرف، غير أن جلسات الاستماع ستستنزف طاقة الإدارة إعلامياً وسياسياً عبر استدعاء الوزراء والمسؤولين لتقديم وثائق حيوية والإدلاء بشهادات ملزمة تحت القسم.
وبالمقابل، يحتفظ ترامب بحق النقض لتعطيل تشريعات الكونغرس ما لم يحشد المشرعون ثلثي الأصوات، أي 67 من أصل 100، لكن النواب يمتلكون سلاح الموازنة الفعال القادر على حرمان الرئيس تماماً من تمويل سياساته الأساسية.
إلى جانب ذلك، يصادق مجلس الشيوخ بالأغلبية البسيطة على تعيين الوزراء ومئات المسؤولين، بينما يتطلب إقرار المعاهدات الدولية أغلبية الثلثين، مما يدفع الرؤساء عادة لتعديل الترشيحات المتعثرة أو الالتفاف على التسميات الدستورية الرسمية للاتفاقات.
وتأسيساً على ذلك، قد يلجأ ترامب للاتفاقات الخارجية لتعويض العجز الداخلي كما فعل أوباما بالاتفاق النووي سنة 2015، غير أن هذا المفر يظل هشاً ومهدداً بالسقوط مع أي إدارة مقبلة كحال اتفاقية باريس.

