تتصاعد التحذيرات من احتمال تجدد الحرب بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي وإيران، وسط مؤشرات على استعدادات عسكرية متبادلة ومساع دبلوماسية مكثفة لتجنب مواجهة جديدة قد تمتد تداعياتها إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية وأمن المنطقة، في وقت تتزايد فيه التكهنات بشأن تحركات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل.

 

وحذر الكاتب البريطاني سايمون تيسدال، في مقال بصحيفة «الجارديان»، من أن ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يتجهان إلى استئناف الحرب، رغم المخاطر التي قد تترتب على ذلك، معتبرا أن انتهاء الانتخابات الأمريكية قد يخفف القيود السياسية التي تحد من قرارات الرئيس الأمريكي حاليا.

 

وفي سياق متصل، نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين ترجيحات بشن هجوم جديد على إيران بعد فترة وجيزة من انتخابات التجديد النصفي، ما لم تنجح الوساطات الجارية في التوصل إلى اتفاق في اللحظات الأخيرة. وتحدث الموقع عن استعدادات للتنسيق العسكري بين واشنطن وتل أبيب، وسط مفاوضات تتناول الملف النووي الإيراني والحصار البحري والعقوبات المفروضة على طهران.

 

 

هجوم محتمل بعد انتخابات التجديد النصفي


ذكر «أكسيوس» أن احتمال شن الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي هجوما جديدا على إيران بات مطروحا بقوة بعد انتخابات التجديد النصفي، في حال تعثر المفاوضات وعدم التوصل إلى تفاهم يجنّب الأطراف مواجهة عسكرية أخرى.

 

وبحسب الموقع، تحدث رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير مع قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، في إطار التنسيق والاستعداد لاحتمال وقوع هجمات جديدة.

 

ونقل «أكسيوس» عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين أن العملية المحتملة قد تتضمن أسبوعا من الضربات المكثفة التي تستهدف القيادة الإيرانية ومنشآت الطاقة والمواقع النووية والبنية التحتية، في تحرك قد يعيد المواجهة إلى مستويات واسعة بعد جولات سابقة من التصعيد.

 

وفي تصريحات للموقع، قال ترامب إن المفاوضات مع إيران تجري عبر وسطاء، لكنه لا يعرف ما إذا كانت ستفضي إلى نتائج. وأضاف أن واشنطن تريد إنهاء المهمة، سواء عبر اتفاق أو من خلال مسار آخر، مشيرا إلى أن الأيام المقبلة ستكشف مدى فرص نجاح المحادثات.

 

 

ترامب ونتنياهو وحسابات ما بعد الانتخابات


يرى سايمون تيسدال أن انتهاء انتخابات التجديد النصفي الأمريكية قد يغير حسابات ترامب، إذ يمكن أن تتراجع أهمية الضغوط الانتخابية التي تحد حاليا من قراراته المتعلقة بالحرب، بصرف النظر عن نتائج التصويت.

 

ويشير الكاتب إلى أن الرئيس الأمريكي يواجه تبعات اقتصادية وسياسية مرتبطة بالمواجهة مع إيران، من بينها ارتفاع أسعار الوقود والسلع الاستهلاكية، وهي عوامل قد تؤثر في موقف الناخبين من الحزب الجمهوري. ويتهم تيسدال ترامب بمحاولة إلقاء المسؤولية عن ارتفاع الأسعار على عوامل أخرى، بينها الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية، بدلا من الاعتراف بتأثير الحرب في الأسواق.

 

كما ينتقد الكاتب تعامل ترامب مع الحلفاء الأوروبيين، قائلا إنه طالبهم باستخدام احتياطياتهم الاستراتيجية من الطاقة، بينما همش قادتهم وأساء إليهم، رغم تحفظهم على الحرب ورفضهم التدخل لمساعدته على احتواء تداعياتها.

 

وبحسب المقال، فإن الاعتبارات الانتخابية ربما أسهمت في تأجيل ضربة جديدة كانت إسرائيل ترغب في تنفيذها خلال أكتوبر، خشية أن يؤدي التصعيد إلى الإضرار بالجمهوريين قبل الانتخابات. لكن تيسدال يرى أن انتهاء التصويت قد يفتح المجال أمام قرارات عسكرية أقل ارتباطا بحسابات الناخبين.

 

ويذهب الكاتب إلى أن دوافع ترامب لا تقتصر، في تقديره، على البرنامج النووي الإيراني أو الأهداف المعلنة للحرب، بل ترتبط أيضا برغبته في تحقيق انتصار سياسي واستعادة زمام المبادرة بعد تعثر المسار العسكري. ويعتبر أن الرهان على عملية سريعة تؤدي إلى تغيير سلوك طهران أو إضعاف النظام الإيراني قد لا يحقق النتائج التي تتوقعها واشنطن.

 

أما نتنياهو، فيربط تيسدال بين إصراره على مواصلة المواجهة وحساباته السياسية الداخلية، في ظل الانتقادات التي يواجهها بسبب إخفاقات أمنية وسياسات الاحتلال في غزة ولبنان. ويرى الكاتب أن الحرب قد تمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي فرصة للتأثير في المشهد السياسي والمفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة، فضلا عن محاولته الحفاظ على منصبه في ظل القضايا التي تلاحقه.

 

 

خلافات تعرقل الاتفاق بين واشنطن وطهران


في المقابل، لا تزال الوساطات الإقليمية مستمرة في محاولة لتقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران، مع مشاركة قطر وباكستان والسعودية ومصر وتركيا في جهود منع التصعيد.

 

وذكر «أكسيوس» أن المفاوض القطري علي الذوادي زار طهران خلال الأسبوع الجاري، لإجراء محادثات مع مسؤولين إيرانيين بشأن اتفاق محتمل مع إدارة ترامب، في وقت تسعى فيه الدوحة إلى إيجاد صيغة تسمح باستئناف المسار الدبلوماسي.

 

وبحسب مصدر إقليمي نقل عنه الموقع، قدم الوسطاء مقترحات للتوفيق بين مطلب أمريكي يتعلق بالتخلي عن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، ومطلب إيراني يدعو إلى رفع الحصار البحري الأمريكي والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.

 

وتشير هذه الخلافات إلى أن التوصل إلى اتفاق لا يتوقف على الملف النووي وحده، بل يرتبط أيضا بالإجراءات الاقتصادية والعسكرية التي تطالب طهران بإنهائها قبل تقديم تنازلات إضافية.

 

كما تتضمن جهود الوساطة، وفق ما أورده «أكسيوس»، بحث إمكانية السماح لمفتشي الأمم المتحدة بزيارة المواقع النووية الإيرانية التي تعرضت للقصف، مقابل تخفيف بعض العقوبات الأمريكية. غير أن نجاح هذا المقترح يتطلب توافقا على طبيعة التفتيش وضماناته، إلى جانب معالجة الخلاف بشأن الحصار البحري ومصير الأموال المجمدة.

 

وفي مقال «الجارديان»، نقل تيسدال عن وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي قوله إن المفاوضات يمكن أن تفضي إلى نتائج قابلة للتطبيق إذا أتيحت لها الفرصة. ويطرح البوسعيدي تصورا طويل الأمد لاتفاقية عدم اعتداء تضم دول الخليج الست وإيران والعراق، بهدف تأسيس منظومة أمن إقليمية تشارك فيها دول المنطقة بصورة مباشرة، بدلا من الاعتماد بصورة أساسية على الولايات المتحدة.

 

 

مخاطر اقتصادية وأمنية تتجاوز المنطقة


يحذر تيسدال من أن استئناف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية قد يؤدي إلى ارتفاع جديد في أسعار النفط، بما يزيد الضغوط على المستهلكين والاقتصادات التي تعاني بالفعل من ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل.

 

ويشير المقال إلى تقارير تتحدث عن استعداد إيران للرد باستهداف منشآت نفطية وبنية تحتية في السعودية ودول الخليج، إلى جانب كابلات الإنترنت البحرية. لكنه يلفت إلى أن بعض هذه التقديرات قد تكون جزءا من معلومات غير مؤكدة أو مضللة، ما يستدعي التعامل معها باعتبارها سيناريوهات محتملة وليست وقائع محسومة.

 

ومن بين المخاطر المطروحة احتمال تشديد القيود على الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل ممرا مهما لإمدادات النفط العالمية، فضلا عن احتمال امتداد التوتر إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر، بما قد ينعكس على حركة السفن وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

 

ويرى الكاتب أن تداعيات أي مواجهة جديدة قد تكون أوسع من آثار جولات التصعيد السابقة، خصوصا إذا استهدفت الضربات منشآت الطاقة وشبكات النقل والاتصالات، أو دفعت أطرافا إقليمية أخرى إلى الانخراط في القتال.

 

وتشمل السيناريوهات التي يطرحها المقال احتمال توسع المواجهة إلى اليمن والعراق ولبنان والسعودية، فضلا عن مخاطر استهداف سفارات أمريكية وموظفين أمريكيين في دول بالمنطقة. كما يحذر من أن تصاعد الحرب قد يتزامن مع زيادة عنف المستوطنين والاستيلاء على أراض في الضفة الغربية، واتساع عمليات الاغتيال والتخريب المرتبطة بالصراع.

 

ولا تقتصر المخاوف على الجانب العسكري، إذ يرى تيسدال أن الحرب قد تزيد الانقسامات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، الذين يتحفظون على الانخراط في مواجهة جديدة. كما يمكن أن تمنح تداعياتها روسيا والصين فرصا لتعزيز موقعيهما، في ظل تراجع الثقة بين الولايات المتحدة وعدد من شركائها.

 

 

شكوك بشأن جدوى الضربات العسكرية


ويشكك تيسدال في قدرة هجوم جديد على تحقيق الأهداف المعلنة، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي لم ينجحا، بحسب تقييمه، في القضاء نهائيا على القدرات النووية الإيرانية خلال المواجهات السابقة.

 

ووفق ما أورده المقال، فإن الخطط المتداولة تتضمن استهداف مواقع نووية ومنشآت صاروخية وشبكات للطاقة، بينها موقع يعرف باسم جبل الفأس، يعتقد أنه مرتبط بتخزين اليورانيوم المخصب. لكن الكاتب يرى أن تكرار ضرب أهداف سبق الإعلان عن تدميرها يثير تساؤلات بشأن مدى فاعلية الخيار العسكري وقدرته على إنهاء التهديدات التي تتحدث عنها واشنطن وتل أبيب.

 

ويحذر من أن عملية توصف بأنها محدودة وسريعة قد تتحول إلى حرب ممتدة إذا ردت إيران على الهجمات، أو استهدفت مصالح أمريكية وإسرائيلية في المنطقة. كما يلفت إلى مخاطر سقوط مزيد من المدنيين، مستحضرا واقعة مقتل تلميذات في هجوم على مدرسة بمدينة ميناب، وفقا لما أورده المقال، وانتقاده غياب المساءلة عن الخسائر المدنية.